فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 316

الشيخ عدنان عبد القادر

رحلة الحج هي رحلة الحب إلى الله تعالى وهي رحلة دنيوية يقوم بها العبد ببدنه وافدًا إلى الله تعالى . قال النبي[: (الحجاج والعمار وفد الله ، دعاهم فأجابوه ، وسألوه فأعطاهم ) . رواه البزار.

فهم في وفادة الله تعالى وضيافته وحفظه. قال النبي [: (ثلاثة في ضمان الله عز وجل ، رجل خرج إلى مسجد من مساجد الله ورجل خرج غازيا في سبيل الله تعالى ورجل خرج حاجا ) . ( رواه أبو نعيم ) وهي نوع من أنواع الجهاد لذا قال النبي[ للنساء: ( لكن أفضل الجهاد حج مبرور ) رواه البخاري . فهي رحلة مصغرة للرحلة الكبرى الرحلة الأخروية .

كيف نعتبر رحلة الحج رحلة صغرى إلى الله تعالى:

أ.الإحرام

يقدم الحاج وقد تجرد من متعلقات الدنيا من ثياب ومال وجاه.

وإنما يلبس الثوبين الأبيضين ( الإحرام ) اللذين يدلان على نقاوة القلب وبياضه وصفاء الظاهرمتهيئا للقاء الله تعالى.

ب . الاهلال:

ثم يهل بالحج أي يرفع صوته معلنا للخلق مستبشرًا وقد غمره الفرح والسرور أنه مقبل لزيارة من ملك قلبه ورِقَّهُ لزيارة بيت الله تعالى مستجيبًا لندائه ملبيًا لدعوته ونداء إبراهيم الخليل \ عندما دعى الناس لزيارة بيت الله سبحانه { وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا } يلهج لسانه بذكره تعالى.

وما طلع النجم الذي يهتدى به ولا الصبح إلا هيَّجا ذِكره ليا

أحب من الأسماء ما وافق اسمه اشبهه أو كان منه مدانيا

وحبة قلبه منصبة نحوه ، وفؤاده هاوٍ إليه لذا يجأر بقوله ( لبيك اللهم لبيك) أي لب قلبي وسويداءه قد تعلقت بك مرة بعد أخرى ، فتستجيب الكائنات لإهلاله الصادق فيلبي كل ما عن يمينه وشماله قال [: (ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر ، حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا) ( رواه النسائي وحسنه السيوطي ) .

ج.عرفة:

يحضر عرفة التي هي أول أركان الحج العملية ، وهي منطقة الحل ليست من الحرم .أرض قاحلة جرداء ، لا زينة فيها ولا بناء ، خارجا إلى الله تعالى ، يطلب الأنس به:

أخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس يارب خاليا

ثم يحتشد مع الخلق ، مع الجمع الهائل ، تاركًا الملذات والشهوات لأجله ، رغبة فيه ، متواضعًا خاضعًا لجلاله مستكينًا لعزته متجردًا من كل عظمة ،قد أظهر رقه وعبوديته وأذعن انقياده ، يُعرّف نفسه إلى الله تعالى قال [ (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ) رواه الترمذي .ومن هنا سميت عرفة، فكلهم متساوون في المظهر ، يجأرون إلى الله تعالى - كأنهم في أرض المحشر - أرض جرداء - مكبرين مسبحين مبتهلين ، كلهم يطلبون ويتقربون ويستغيثون على اختلاف ألسنتهم وأصواتهم وأجناسهم .

ما أنت إلا فرد واحد بين هذه الجموع ، هل يقبلك الله تعالى وينظر إليك نظر الرحمة ؟! فاجمع كل همومك وأحزانك

واعرضها على الله تعالى مشتكيا ًإليه بدلًا من الخلق( إنما أشكوا

بثي وحزني إلى الله )فالإستجابة أسرع إليك من ارتداد طرفك . قال [: ( الحجاج والعمار وفد الله دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم ) رواه البزار .

لا يدخلون أرض الحرم (مزدلفة ) إلا بعد التمرغ لله تعالى طالبين الطهر ليؤذن لهم دخول مزدلفة فيقول الله تعالى: ( انظرو إلى عبادي أتوني شعثا غبرا ) . رواه أحمد . ويقترب منهم قد صفح عنهم وعفا ( ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة.وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء ) رواه مسلم .

د. مزدلفة:

ثم ينطلقون إلى المزدلفة وهي أول الحرم - سمي حرما لعظم حرمته ، لذا لا يقطع شجره ولا يصاد صيده ، لأنه في حمى الله ، لذا يسمى حمى الملك . يزدلفون إلى الله تعالى ويتقربون إليه { فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام } . فيلقون بأجسادهم المجردة من الثياب على الأرض العفراء أرض الحرم المباركة . قد مس التراب جلودهم ، مهادهم الأرض ولحافهم السماء ، فيبيتون محبين لله معظمين متضرعين إليه

سبحانه ، معلنين لله تعالى أنهم قد صفت سرائرهم وعلانيتهم له سبحانه ، لاحظ للشهوات الدنيوية في قلوبهم ولا لتلك الملهيات التي تلهيهم عنه سبحانه ، فتسرح أرواحهم ليلا في حمى مليكها تستنشق عبير الأنس من نسيم رياض القدس.

تذكرت أيام اللقاء بمشعر بجمعٍ وحولي صحبةٌ ومخيمُ

وكان لقاءً يُسعد القلبَ أمرُه بذكرٍ ونسكٍ ليت من غاب يعلم

حبانا الولي رب كريم وخيره يعم البرايا للجميع مقسم

وإن زان قوما لبسهم وكساؤهُم فزينة صحب الوجه بالنور مفعم

إذا الْتذّ قوم في طعام ومشرب فليس سويا ما نذوق ويطعم

فطعم التقى ما ذاقه قط جاحد ليعلم أنا بالأطايب ننعم

لله تلك الأمسيات التي بها دعاء وذكر صاغه القلب والفم

ولله كم من ساجد ومسبح وآخر يرجوالله والناس نوم

( خالد الخراز )

ه- الجمرات:

فيغدون قبل الشروق إلى الجمرة حيث ينتزعون حظوظ الشيطان ودواعي الشر من قلوبهم فيرمونها ويقذفون بها على شكل حصيات سبع وهو العدد التي تستخدمه العرب للدلالة على الكمال والكثرة والشدة بأن حظ الشيطان استخرج منهم ويكبرون الله تعالى مع كل حصية معلنين أن الله في قلوبهم أغلى وأكبر من كل شيء ومن كل حظ .فيملأ الله تعالى قلوبهم التي صفت من الشوائب بنوره العظيم ( الله نور السموات والأرض ) ويجازيه بالنور التام يوم القيامة ، قال [: ( إذا رميت الجمار كان لك نورا يوم القيامة ) . رواه البزار

و- الهدي

ثم ينحر الهدي الذي هو فداء عن نفسه فكأنما ينحر قلبه لله تعالى يهديه إليه ( الهدي ) تقربا إليه ، ابتغاء مرضاته .فلو كان نحر القلب قربة لنحرته حبًا لك وتعبدًا كحال إبراهيم الخليل مع إسماعيل ولكن الله تعالى استبدل الذبح به في مِنى .سميت منى لأن الله تعالى أحب للعبد إراقة دمه لأجله وقدَّره له .لذا سميت الوفاة منية .

ز- الحلق:

ثم يحلق رأسه تذللًا له سبحانه ، إذ كانت العرب تحلق ناصية الرجل إذا قصدت إذلاله .

ح- الكعبة:

ثم يغتسل ويتنظف ويتطيب بأفضل الطيب ويتجمل بأجمل لباس لزيارة الله تعالى إلى بيته ، فالبيت هو رمز الخلة والمودة والشوق إلى الله تعالى فأنت العابد المحب، والمحب إذا ما رأى المحبوب فإن أول ما يبدأه به المصافحة الحارة والتقبيل وربما يعانقه وهكذا كان يفعل النبي [، إذ أول ما يبدأ به هو استلام الحجر وتقبيله حبًا وشوقًا لذا قال ابن عباس ] : ( الحجر الأسود يمين الله في الأرض ، فمن صافحه فكأنما صافح الله تعالى ) فيبدأ به حيث نزل من الجنة ( نزل الحجر الأسود من الجنة فكان أشد بياضًا من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك) رواه أحمد (1/703) .

وهي أول بيت للعبادة بناه إبراهيم \ في الأرض لذا سمي بالبيت العتيق ، فكوفئ به في السماء أن استند إلى البيت المعمور الذي هو قبلة الملائكة في السماء السابعة ، قال النبي [ في

حديث المعراج بعد مجاوزته السماء السابعة:( ثم رفع بي إلى

البيت المعمور ، وإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه ) متفق عليه ، أي يتعبدون فيه ويطوفون به كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم .قال [ في حديثه: ( فإذا أنا بابراهيم \ ، وإذا هو مستند( مسند ظهره ) إلى البيت المعمور ) رواه مسلم .

فوجود هذا البيت يدل على بقاء الإيمان في الأرض ، وما دامت الكعبة موجودة فالدين قائم والدنيا قائمة ومصالح الناس مستمرة ، فتحيا بذلك القلوب ، فحياة القلوب ببقائها قائمة { جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس } .

أما إذا هدمها ذو السويقتين من الحبشة فهنالك تقوم الساعة ، قال [: ( لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت ) رواه أبويعلى عن أبي سعيد ( السلسله الصحيحة2430 ) .

وقد يعانق البيت كما كان يفعل النبي [ إذ يلزم البيت ما بين الحجر الأسود وباب الكعبة من شدة شوقه لله تعالى في نهاية طوافه .

ثم يبدأ بالطواف حول حبه وغايته كما يحوم طالب التجارة حول صفقة ثمينة ولا يفرط فيها ويخطط الليل والنهار للوصول إليها ويفوز بها ، وكذلك طالب الزواج من امرأة أحبها كيف يحوم حول حبها ولله المثل الأعلى سبحانه إذ تطوف الملائكة حول العرش رغبًا ورهبًا وحبًا وتعظيمًا وإجلالًا { وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم} (الزمر) ،حيث يطوف الحاج حول غايته وحبه ورمز المحبة لله تعالى وهو البيت الحرام البيت العتيق .

نقِّل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأولِ

كم منزل في الأرض يعشقه الفتى وحنينه أبدًا لأول منزِل

جاعلًا الجانب الأيسر الذي يميل موضع قلبه إليه هو أقرب المواضع إلى الكعبة ، فيطوف سبعًا وهذا العدد يمثل الكثرة الكاثرة والكمال في طوافه حول حبه . لعل باب القبول والقربى يفتح له ، ويفوز بالنظر إلى الله تعالى يوم القيامة . فهو طواف الجسد والقلب والروح .

ط. الدعاء في طوافه:

فاغتنم زيارتك لهذا البيت بالاكثار من الدعاء والسؤال قال [: ( الحجاج والعمار وفد الله . دعاهم فأجابوه ، وسألوه فأعطاهم ) رواه البزار عن جابر ، واهتبل طوافك بالسؤال للفوز بالنظر إلى وجهه الكريم وتضرع إليه وأظهر افتقارك إلى جلاله بسؤالك حتى اللقمة وبث إليه همومك وأحزانك { رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير } .

ي- ركعتا الطواف:

ثم بعد إظهاره تعلق قلبه بغايته وحبه وهو ربه تعالى يذهب يكلم الله تعالى ويخاطبه ويفضي إليه مما يجول في صدره من حب وتعلق وذلك بالصلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم .

ك- زمزم:

ثم لا يتوقف حتى ينطلق إلى زمزم فيملأ جوفه بماء هذا البيت إظهارًا لشغفه بكل ما يعلقه بمحبوبه ، فيملأ قلبه وعقله وجوفه بكل ما يذكره بالمحبوب .

ل- السعي:

ثم ينطلق - بعد تقبيل آخر للحجر الأسود ويمين الله تعالى في الأرض - ينطلق إلى ( الصفا - والصفاء ) يقف عليه معلنا لربه أنه سيصفي قلبه من كل شائبة علقت بقلبه ، ليبقى قلبه خالصا لربه ويتضرع هناك مكبرًا معظمًا لإلهه ( الله أكبر ) ثم يوحد الله تعالى وأنه لا معبود إلا هو ولا محبوب إلا هو وأحق الذوات بالوله هو سبحانه ( لا إله إلا الله ) صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، ثم ينطلق إلى ( المروة ) فيعلوه معلنًا أنه سيطلب المروءة والثبات على ذلك ( فالمروة من المروءة والثبات ) ، هكذا سعيه بين الصفاء والمروءة سبعًا إظهارًا للذل الكامل للحصول على هذه الغاية إلى أن يلاقي ربه تعالى .

ويسير ذاكرًا الله تعالى بقلبه قبل لسانه ، ويلهج لسانه بذكره

سبحانه: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبائكم أو أشد ذكرا } .

ثم يرجع من هذه الرحلة الدنيوية إلى الله تعالى وقد تخلص من كل الشوائب القلبية وتنقى من كل الآثام ، {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت