فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 316

الشيخ عبد العزيز العويد

1-فمن هُدي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم ، الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه ، هُدٍيَ هناك إلى الصراط المستقيم ، الموصل إلى الجنه ودار ثوابه ، وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار ، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم . وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط . فمنهم من يمر كالبرق ، ومنهم من يمر كالطرف ، ومنهم من يمر كالريح ، ومنهم من يمر كشد الركاب ، ومنهم من يسعى سعياَ ، ومنهم من يمشي مشياَ ، ومنهم من يحبوا حبواَ ، ومنهم المخدوش المسلَّم ، ومنهم المكردس في النار ، فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا ، حَذْوَ القُذَّه بالقُذَّه جزاءً وفاقا ( هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (النمل:90) (1/16) .

2-الصراط: تارةً يضاف إلى الله ، إذ هو الذي شرعه ونصبه كقوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا) (الأنعام:153) وقوله: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى:52) وتارةً يضاف إلى العباد كما في سورة الفاتحه . لكونهم أهل سلوكه ، وهو المنسوب لهم ، وهم المارون عليه . (1/17)

3-هل لله على الكافر من نعمه أم لا ؟

فالنعمة المطلقة لأهل الإيمان ، ومطلق النعمة تكون للمؤمن والكافر ، كما قال تعالى: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (ابراهيم:34)

والنعمة من جنس الإحسان ، بل هي الإحسان ، والرب تعالى إحسانه على البر والفاجر ، والمؤمن والكافر ، وأما الإحسان المطلق: فللذين أتقوا والذين هم محسنون (1/19)

4-قال الله تعالى: (قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) (الحجر:41) ، قال الحسن معناه صراط إليَّ مستقيم ، وهذا يحتمل أمرين: أن يكون أراد به أنه من باب إقامة الأدوات بعضها مقام بعض ، فقامت أداة (عليَّ) مقام (إليَّ) والثاني: أنه أراد التفسير على المعنى ، وهو الأشبه بطريق السلف ، أي صراط موصل إليَّ ، وقال مجاهد: الحق يرجع إلى الله ، وعليه طريقه ، لا يعرج على شيء وهذا مثل قول الحسن وأبين منه ، وهو من أصح ما قيل في الآية ، وقيل (عليَّ) فيه للوجوب ، أي على بيانه وتعريفه والدلالة عليه ، والقولان نظير القولين في آية النحل (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ) (النحل:9) والصحيح فيها كالصحيح في آية الحجر: أن السبيل القاصد - وهو المستقيم المعتدل - يرجع إلى الله ، ويوصل إليه (1/22)

5-قال الله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (النساء:164) فذكر في أول الآية وحيه إلى نوح والنبيين من بعده ، ثم خص موسى من بينهم بالإخبار بأنه كَلَّمَهْ ، وهذا يدل على أن التكليم الذي حصل له أخص من مطلق الوحي الذي ذكر في أول الآية ، ثم أكده بالمصدر الحقيقي الذي هو مصدر (كلم) وهو التكليم رفعًا لما يتوهمه المعطله والجهميه والمعتزله وغيرهم من أنه إلهام ، أو إشاره ، أو تعريف للمعنى النفسي بالشيء غير التكليم ، فأكده بالمصدر المفيد تحقيق النسبه ورفع توهم المجاز ، قال الفراء: العرب تسمي مايوصل إلى الإنسان كلام بأي طريق وصل ، ولكن لا تحققه بالمصدر ، فإذا حققته بالمصدر لم يكن إلى حقيقة الكلام كالإراده ، يقال: فلان إراد إراده ، يريدون حقيقة الإرادة ، هذا كلامه وقال تعالى (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) (لأعراف:143) وهذا التكليم غير التكليم الأول الذي أرسله به إلى فرعون ، وفي هذا التكليم الثاني سأل النظر ، لا في الأول ، وفيه أعطى الألواح ، وكان عن مواعده من الله له ، والتكليم الأول لم يكن عن مواعده ، وفيه قال الله تعالى له: (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي) (لأعراف:144) أي بتكليمي لك بإجماع السلف . (1/47)

6-أما ما يقوله كثير من أصحاب الخيالات والجهالات: (حدثني قلبي عن ربي) فصحيح أن قلبه حدثه ، ولكن عمَّن ؟ عن شيطانه أو عن ربه ؟ فإذا قال: (حدثني قلبي عن ربي) كان مسنداََ الحديث إلى من يعلم أنه حدثه به ، وذلك كذب ، قال: ومحدث الأمة لم يكن يقول ذلك ، ولا تفوه به يوماََ من الدهر ، وقد أعاذه الله من أن يقول ذلك ، بل كتب كتابه يوماًَ (وهذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب) فقال (لا أمْحُهُ ، وأكتب: هذا ما رأى عمر بن الخطاب فإن كان صوابًا فمن الله ، وإن كان خطأً فمن عمر ، والله ورسوله منه بريء) وقال في الكلالة (أقول فيها برأيي ، فإن يكن صوابًا فمن الله ، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان) فهذا قول المحدث بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأنت ترى الإتحادي والحلولي والإباحي الشَّطاح والسماعي: مجاهر بالقِحَّةِ والفِرْيَه . يقول (حدثني قلبي عن ربي) فأنظر إلى مابين القائلين والمرتبتين والقولين والحالين وأعط كل ذي حقٍ حقَّه ولا تجعل الزغل والخالص شيئاُ واحدًا . (1/50)

7-والتحقيق في هذا أن كل واحد من (الفراسة) و (الإلهام) ينقسم إلى عام وخاص . وخاص كل واحد منهما فوق عام الآخر ، وعام كل واحد قد يقع كثيرًا وخاصه قد يقع نادرًا ولكن الفرق الصحيح: أنَّ الفراسه قد تتعلق بنوع كسب وتحصيل ، وأمّا الإلهام فموهبه مجرده ، لا تنال بكسب البتَّه (1/53)

8-أصدق الرؤيا: رؤيا الأسحار ، فإنه وقت النزول الإلاهي ، وأقتراب الرحمة والمغفره ، وسكون الشياطين ، وعكسه رؤيا العتمه عند إنتشار الشياطين والأرواح الشيطانيه , وقال عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه (رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام) وللرؤيا ملك موكل بها يريها العبد في أمثال تناسبه وتشاكله ،فيضربها لكل أحد بحسبه . وقال مالك ( الرؤيا من الوحي وحي) وزجر عن تفسيرها بلا علم ، وقال: (أتتلاعب بوحي الله ؟)

9-كثيرًا ما كنت أسمع شيخ الإسلام بن تيمية - قدس الله روحه - يقول (إياك نعبد ) تدفع الرياء ( وإياك نستعين ) تدفع الكبرياء (1/65)

10-هنا أمور ثلاثة: موافقة الدواء للداء ، وبذل الطبيب له ، وقبول طبيعة العليل ، فمتى تخلف واحد منها لم يحصل الشفاء ، وإذا أجتمعت حصل الشفاء ولا بد بإذن الله سبحانه وتعالى . ومن عرف هذا كما ينبغي تبين له أسرار الرقي ، وميز بين النافع منها وغيره ورقى الداء بما يناسبه من الرقي ، وتبين له أن الرقية براقيها وقبول المحل ، كما أن السيف بضاربه مع قبول المحل للقطع ، وهذه إشارة مطلعه على ما ورائها لمن دق نظرة ، وحسن تأمله . والله أعلم .

وأما شهادة التجارب بذلك: فهي أكثر من أن تذكر . وذلك في كل زمان . وقد جربت أنا من ذلك في نفسي وفي غيري أمورًا عجيبة ، ولا سيما مدة المقام بمكة . فإنه كان يعرض لي آلام مزعجه ، بحيث تكاد تقطع الحركة مني وذلك في أثناء الطواف وغيره ،فأبادر إلى قرائة الفاتحة ، وأمسح بها على محل الألم فكأنه حصاة تسقط . جربت ذلك مرارًا عديدة ، وكنت آخذ قدحًا من ماء زمزم فأقرأ عليه الفاتحة مرارًا ، فأشرب به فأجد به من النفع والقوة مالم أعهد مثله في الدواء . والأمر أعظم من ذلك ، ولكن بحسب قوة الإيمان ، وصحة اليقين والله المستعان .. (1/69)

11-الإستدلال بالصنعة كثير ، وأما الإستدلال بالصانع فله شأن ، وهو الذي أشارت إليه الرسل بقولهم (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ) (ابراهيم:10) أي أيشك في الله حتى يطلب إقامة الدليل على وجوده ؟ وأي دليل أصح وأظهر من هذا المدلول ؟ فكيف يستدل على الأظهر بالأخفى ؟ ثم نبهوا على الدليل بقولهم (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (الزمر:46) وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين أبن تيمية - قدس الله روحة - يقول: كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيءٍ ؟ وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:

وَلَيْسَ يَصِحُّ في الَأَذْهانِ شَيءٌ ... إِذا أحْتاجَ النَّهارُ إِلى دَليلٍ

ومعلومٌ أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من وجود النهار ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما (1/71)

12-فإنه سبحانه يسأله من في السماوات والأرض: يسأله أوليائه وأعدائه ويمد هؤلاء وهؤلاء ، وأبغض خلقة: عدوه إبليس ومع هذا فقد سأله حاجة فأعطاه إياها ، ومتعه بها ، ولكن لما لم تكن عونًا له على مرضاته كانت زيادةً له في شقوته ، وبعده عن الله وطرده عنه ، وهكذا كل من أستعان به على أمرٍ وسأله إياه ، ولم يكن عونًا له على طاعته: كان مبعدًا له عن مرضاته ، قاطعًا له عنه ولابد .

وليتأمل العاقل هذا في نفسه وفي غيره ، وليعلم أن إجابة الله لسؤاله ليست لكرامة السائل عليه ، بل يسأله العبد الحاجة فيقضيها له ، وفيها هلاكه وشقوته ، ويكون قضائها له من أوانه عليه ، وسقوطه من عينه ، ويكون منعه منها لكرامته عليه ولمحبته له ، فيمنعه حمايةً وصيانةً وحفظًا لا بخلًا . وهذا إنما يفعله بعبده الذي يريد كرامته ومحبته ، ويعامله بلطفه ، فيظن - بجهله - أن الله لا يحبه ولا يكرمه ، ويراه يقضي حوائج غيره ، فيسيء ظنه بربه ، وهذا حشو قلبه ولا يشعر به ، والمعصوم من عصمه الله، والإنسان على نفسه بصيرة ، وعلامة هذا: حمله على الأقدار ، وعتابه الباطن لها ، كما قيل:

وَعاجِزُ الرّأْيِ مٍضْياعٌ لِفُرْصَتِهِ ... حَتّى إِذا فاتَ أَمْرٌ عاتَبَ القَدَرَ

فوالله لو كشف عن حاصله وسره لرآى هناك معاتبة القدر وأتهامه وأنه قد كان ينبغي أن يكون كذا وكذا ، ولكن ما حيلتي ، والأمر ليس إلي ؟ والعاقل خصم نفسه ، والجاهل خصم أقدار ربه .

فأحذر كل الحذر أن تسأله شيئًا معينًا خيرته وعاقبته ومغيبةً عنك وإذا لم يجد من سؤاله بد ، فعلقه على شرط علمه تعالى فيه الخيرة وقدم بين يدي سؤالك الإستخارة ، ولا تكن إستخارة باللسان بلا معرفة ، بل إستخارة من لا علم له بمصالحه ولا قدرة له عليها ولا أهتداءٌ له إلى تفاصيلها ، ولا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ، بل إن وكل إلى نفسه هلك كل الهلاك ، وأنفرط عليه أمره . (1/91)

13-من زعم أنه يصل إلى مقام يسقط عنه فيه التعبد ، فهو زنديق كافر بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم ، وإنما وصل إلى مقام الكفر بالله ، والإنسلاخ من دينه . (1/171)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت