فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 316

الشيخ عدنان عبد القادر

فمنها حاولت أن أربط بين الآيات فلم أستطع حتى بعد ذلك رجعت إلى كتاب يسمى"نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"للمؤلف برهان الدين البقاعي وهذا الكتاب في خمسة وعشرين مجلد، وقد ذكر المؤلف في هذا الكتاب تفسير لآيات الله عزّ وجل ويبين علاقة كل آية بالسابقة لها وبالآية اللاحقة لها. وقبل أن أذكر العلاقة يجب أن أقول أن الكل يعلم أن آيات القرآن مرتبة بتوقيف من الله سبحانه وتعالى ومن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا بالإجماع، وليس الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم هم الذين أفتوا في وضع هذه الآيات وترتيبها، لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري أو مسلم أنه أقام الليل فقرأ سورة البقرة ثم بعد ذلك النساء ثم بعد ذلك آل عمران فبالتالي أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قرأ سورة البقرة قرأها مرتبة وكذلك بالنسبة للنساء وكذلك بالنسبة لآل عمران فقرأها مرتبة وكما بيّن النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه أنه من قرأ آخر آيتين من سورة البقرة في ليلة كفتاه أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري. فإذا هذا دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي رتبها لقوله آخر الآيتين. وهناك أدلة كثيرة تبيّن وهذا بالإجماع. فكانت إذا نزلت آية كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ضعوا هذه الآية بعد تلك الآية وقبل تلك الآية وهذا بالطبع بأمر من الله سبحانه وتعالى.فإذن لابد من حكمة، لماذا لم ترتب آيات القرآن على حسب نزولها؟ رتبت آيات القرآن بترتيب حكيم لذلك هذا القرآن حكيم والله متصف بالحكمة فهو حكيم، فلا بد هذا الترتيب من حكمة، وهذا إعجاز قرآني. فلو افترضنا مثلًا أن آية رقم (13) من سورة آل عمران نزلت قبل الآية رقم (3) من نفس السورة ولكن مع هذا وجودها في رقم (13) في حكمة أفضل من وجودها قبل آية رقم (3) . فلذلك حاول العلماء أن يبرزوا هذه الحكم ويظهروا هذه الحكم فألفوا الكتب في هذا، وأعظمها كتاب"نظم الدرر في تناسب الآيات والسور""لبرهان الدين البقاعي، ثم بعد ذلك اتبعه السيوطي في كتاب تفسير والربط بين الآيات، وكذلك كتاب لأبي بكر النيسابوري الشافعي وأبو بكر العربي والزركشي وكذلك فخر الدين الرازي في كتابه تفسير الكبير يذكر كذلك العلاقة بين كل آية سابقة لها ولاحقة لها."

فنجد أن برهان الدين البقاعي ذكر في كتابه العلاقة بين آيات الصلاة وآيات الطلاق في سورة البقرة فقال: هناك مناسبتين:

1)أمور الطلاق دائمًا تشغل الإنسان، وتجعله مهمومًا في النهار والليل، فلذلك قال تعالى:"حافظوا على الصلوات"أي هموم الطلاق لا تنسيكم الصلاة وحافظوا عليها فأدوها في وقتها، وبالأخص صلاة العصر، لأن كما هو معروف إن الإنسان عندما تدركه الهموم يكون قلق، قليل النوم بالليل، مما قد يؤدي إلى أن يدركه النوم في وقت الصلوات، قال تعالى:"وقوموا لله قانتين"أي ليس فقط عليكم المحافظة على الصلاة ولكن كذلك عليكم أن تخشعوا فيها، لأن قلق الإنسان من حادثة الطلاق ومشاكلها، تجعل تفكيره مشتت، وخوفًا أن ينتقل هذا في صلاته فلا يخشع فيها، فيجب عليه أن يقوم للصلاة قانت ولا تلهيه أمور وهموم الطلاق عنها. فلذلك قال تعالى في آية الحرب:"فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا"، أي وأنتم في الحروب عليكم بالمحافظة على الصلاة في وقتها، وعليكم بالخشوع أيضًا، وهذا في الحروب فكيف بالطلاق؟ وهو أهون من سفك الدماء والحرب، وهو من باب أولى أن تحافظ على الصلاة في وقتها، وأن تخشع فيها. ثم قال تعالى:"فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون"، ثم أتمّ الله عزّ وجل آية الطلاق.

2)هموم الطلاق ومشاكل الطلاق ومشاكل الزواج غالبًا ما تنتج بسبب ذنب العبد، فالجأ إلى الصلاة، وإلى الله عزّ وجل، لعل الله أن يذهب عنك هذه المشاكل. كما قال الله عزّ وجل:"ما أصاب من مصيبة فبما كسبت أيديكم"أي ما أصابكم من مصيبة بسبب ذنبكم أنتم، وما وقعتم فيه، فبالتالي توجه إلى الصلاة لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزب عنه أمر فزع إلى الصلاة. فيجب على الإنسان أن يخشع، ويستغفر لذنبه، لأن هذه المصائب التي تجمعت عليه بسبب ذنوبه، فعليه أن يراجع نفسه ويستغفر ويتب إلى الله، لذلك أن أحد علماء السلف كان يقول:"إني أعلم قد عصيت الله من خلق دابتي وزوجتي"، أي أنه يترك زوجته في أحسن حال ولكن عند عودته يجدها بغير الحال الذي تركها فعندها يعلم أنه قد عصى الله عزّ وجل.

آيات من سورة المائدة:

ذكر الله عزّ وجل قال:"يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير & وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين & يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين & ….. إلى آخر هذه الآيات". هنا ذكر الله عزّ وجل لأهل الكتاب أن يتبعوا النبي عليه الصلاة والسلام ثم وإذ قال موسى لقومه اذكروا إلى آخر هذه الآية، فالآية التي قبلها تبين أن يتبعوا النبي عليه الصلاة والسلام، ثم الله جعلكم ملوك وأنتم ملوك وجعل فيكم أنبياء، فكيف الربط بين هاتين الآيتين فالأولى يطلب منهم الاتباع والتي بعدها يشار إليهم أنهم ملوك؟ فإن كانوا ملوك فالنبي هو الذي يتبعهم. كذلك قال الله عزّ وجل في هذه الآية:"جعل فيكم أنبياء"كيف ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس منهم فكيف يتبعونه؟ فكأن لا يوجد علاقة بين الكلام. ففي كتاب"نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"ذكر أن هناك مناسبة قوية جدًا في ذلك، وعلاقة وطيدة ألا وهي:

أن الله عزّ وجل أمر أهل الكتاب بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم، لماذا أهل الكتاب أعرضوا عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خارج بني إسرائيل، فأصروا أن النبوة فيهم فكيف تكون للعرب؟ فهم خير أمة، وهذا النبي صلى الله عليه وسلم جاء من أمة هم خدم لهم وأقل منهم. فلذلك الله عزّ وجل لما قال:"أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير"، أي أن لا يأتوا يوم القيامة ويقولوا لم يأتنا بشير ولا نذير، بلى لقد جاءكم بشير ونذير، فالله عزّ وجل قادر على كل شيء، فهو قادر على أن يقلب الملك، فجعلكم ملوك بعد أن كنتم خدم عند فرعون وبسط لكم الأرض وكذلك كانت فيكم النبوة فنقلها إلى بني إسماعيل.

ثم تكملة لهذه القصة قال تعالى:"قالوا يا موسى إنّا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون (24) قال موسى ربي إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين (25) قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين (26) "ثم ذكر تعالى بعد ذلك قصة ابنيْ آدم:"واتل عليهم نبأ ابنيْ آدم … (27) ….إلى الآية"فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (30) . ما هي العلاقة بين قصة بني إسرائيل وقصة القتل بين ابنيْ آدم؟ العلاقة أنه مازال الأمر عن بني إسرائيل، ولكن ما هي الاستفادة من قصة ابنيْ آدم؟ الاستفادة منها أنه الإنسان لا يحسد أخوه لأن قابيل حسد أخوه هابيل على الأخت الذي يريد أن يتزوجها، فقابيل أراد أن يتزوج أخته فقيل له أنه لا يحق له أن يتزوجها لأنها أخته التي ولدت معه، فيحق له الزواج فقط من أخت له من حملة أخرى، فهابيل يحق له ذلك لأنها لم تولد معه، فأصر قابيل وحسد أخوه عليها فتقربوا بقربان إلى الله فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل فقتله لأنه حسد هابيل على هذه المكانة العليا عند الله عزّ وجل. فالله عزّ وجل حث بني إسرائيل وذكر لهم أن النبوة ستنقل منهم إلى بني إسماعيل فيحذرهم أن لا يحسدوا النبي صلى الله عليه وسلم وأن لا يحاولوا في قتله، كأن تقوموا بمثل جريمة قابيل بحق أخيه هابيل فهذه جريمة عظيمة. ثم قال تعالى:"من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنّه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا…إلى نهاية الأية (32) "لأن هذه أول جريمة قتل حصلت على وجه الأرض، فأي إنسان يقتل فقابيل له نصيب من الإثم لذلك كأنه قتل الناس جميعًا. فلذلك الله عزّ وجل يحذر بني إسرائيل لا يحملكم هذا أي انتقال المُلْك أو النبوة منكم إلى بني إسماعيل لتحسدوا النبي صلى الله عليه وسلم فيمكن أن يؤدي هذا إلى القتل فمصيركم سيكون مثل مصير قابيل الذي تحسّر وندم حيث لا ينفع الندم بعدها.

آيات من سورة القيامة:

بعد أن ذكر الله عزّ وجل في بداية سورة القيامة عن يوم القيامة وأهوالها ذكر تعالى:"لا تحرك به لسانك لتعجل به (16) إنّ علينا جمعه وقرآنه (17) فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18) ثم إن علينا بيانه (19) "فكان جبريل ينزل على النبي عليه الصلاة والسلام ويقرأ عليه القرآن والنبي عليه الصلاة والسلام يحاول أن يقرأه بسرعة، فطُلِب منه أن لا يتعجل به، لأن الله سبحانه وتعالى وعده أن يجمعه بصدره ويقرأه ويحفظه، فإذا انتهى جبريل من قراءته عندها يمكنك قراءته. ثم بعد ذلك أكمل الله آية القيامة. إذًا ما هي العلاقة بين آيات التي تذكر يوم القيامة وعن نهي الله عزّ وجل للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يستعجل بالقراءة؟

إن الإنسان عندما يسمع مثل هذه الآيات عن يوم القيامة فإنه سيخاف ذلك اليوم ويخاف الله عزّ وجل فيحاول يُقدم على الطاعة ويتحمّس لها، ويكثر منها، كما إنه يحاول مسرعًا اجتناب النواهي وتطبيق الأوامر، فنقول له لا تستعجل كما بيّن الله عزّ وجل هنا للنبي صلى الله عليه وسلم أن لا يستعجل، فما رأيك أيها الإنسان في سنة الله عزّ وجل في خلقه، وسنته في تحريم الخمر والتدرج فيها؟.

آيات من سورة ص:

ذكر الله عزّ وجل كيف أن الكفار يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى:"أجعل الآلهة إلهًا واحدا إن هذا لشيء عجاب (5) …إلى الآية"وقالوا ربنا عجّل لنا قطنا قبل يوم الحساب (16) اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنّه أواب (17) ….إلى الآية (20) ". ما العلاقة بين استهزاء الكفار بالنبي صلى الله عليه وسلم وبين إن الله أعطى لداوود الملك وسخر الله الجبال والطير وغير ذلك من المُلْك؟"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت