فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 316

إن الله عزّ وجل أراد أن يبيّن للنبي صلى الله عليه وسلّم، فلو تساءلنا ما هي أقسى المخلوقات؟ الصخرة، فأقسى المخلوقات الجبل سخّره الله عزّ وجل لسيدنا داوود عليه الصلاة والسلام، ألا يستطيع الله عزّ وجل أن يسخّر الكفار وهم أقل قساوة من الجبال؟ فالجبال سخرها الله لنبيه داوود عليه الصلاة والسلام يقرأ وتقرأ معه. فما عليك يا محمد إلا بالصبر. ولكن ما علاقة الطير؟ فهي أخف المخلوقات التي لا تستطيع ضبطها فهي تم انضباطها مع نبي الله داوود عليه الصلاة والسلام. فهل الله سبحانه وتعالى لا يستطيع أن يسخر المخلوقات التي هي أثقل من الطير لك؟ ولكن يا محمد اصبر على ما يقولون.

آيات من سورة الأنبياء:

عنصر الثاني هو خلق الإنس وقد تم خلقهم من ماء وتراب فتكون طين فيبس الطين فأصبح صلصال فنفخت الروح في الصلصال فأصبحت إنسان، فالعناصر هي الماء والتراب والهواء الذي ساعد على جفاف الطين فأصبح صلصال ثم بعد ذلك الروح التي نفخت، يجب أن نلاحظ ترتيب الآيات. فتسلسل الله عز وجل بعد قصة إبراهيم، فذكر قصة لوط، فلوط عذبوا بنوعين فالله عزّ وجل عندما أراد أن ينتقل من نار إلى الماء لم ينتقل مباشرة ولكن تدرج الله عزّ وجل فلوط عذبوا بعذابين فعندما حبوا أن يأتوا الملائكة فرفعهم جبريل إلى السماء حتى قالوا أن أهل السماء يسمعون نباح كلاب قوم لوط فقلبوا ثم هوت في الأرض، ثم بعدها أرسل الله حجارة من سجيل (أي من نار) ، ثم أمطر عليهم الله مطرا، فعذبوا بنوعين بالماء والنار. عندما أراد الله عزّ وجل أن ينتقل من عنصر النار إلى عنصر الماء تدرج الله عزّ وجل لذلك ذكر الله قوم لوط قبل قوم نوح لأن عذبوا بعذابين نار وماء. ثم بعدها انتقل الله عزّ وجل إلى الماء أي لقوم نوح فعذبهم الله بالطوفان وهذا الماء أخرج من التنور مع العلم إن التنور يخرج منه النار ولكن بقدرة الله اخرج منه الماء، فالماء مؤتمر من الله عزّ وجل، ثم بعد أن غرق من غرق أمر الله الأرض أن تبلع ثم نقص الماء. وهناك تساؤل لماذا ذكر إبراهيم قبل نوح؟ كان الله عزّ وجل قادر أن يذكر قصة نوح، الماء ثم لوط، الماء والنار، ثم قصة إبراهيم. الله عزّ وجل ذكر قصة داو,د وسليمان قال تعالى:"داو,د وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين & ففهمناها سليمان وكلًا آتينا حكما وعلما …إلى آخر الآية"، فشرح هذه الآية أن هناك رجلين في عهد سليمان وداود فكان سيدنا داود عليه السلام هو الذي يحكم بين الناس فأحد هذين الرجلين عند زرع والآخر (جاره) لديه ماشية، فهذه الماشية بالليل أكلت زرع الرجل فذهب واشتكى عند سيدنا داود عليه السلام فقال سيدنا داود: أعطه ماشيتك التي أكلت زرعه وليس لصاحب الماشية شيئًا. فكان سيدنا سليمان عليه السلام خارج المجلس فلما خرجوا من أبيه سألهم عن حكم أبيه فقالوا له، فقال سليمان عليه السلام: أنت يا صاحب الماشية تعطي ماشيتك لصاحب الزرع ليستفيد منها

إلى أن يتم زراعة الأرض وترجع الأرض كما كانت فعندها تأخذ ماشيتك وهو يأخذ الزرع، فكان هذا الحكم هو الأصوب فبالتالي أخذ بحكم سليمان عليه السلام. ولكن ما علاقة هذه الآية بالآيات التي سبقتها؟ أراد الله عز وجل أن يبين أن الابن ممكن يفضل على أبوه كما هنا بينت الآيات أن سليمان عليه السلام كان أفضل من داود عليه السلام بهذا الحكم قال تعالى:"وكلا آتينا حكمًا وعلما". فما يمنع أن يكون سيدنا إبراهيم أفضل من سيدنا نوح عليهما السلام فلذلك قدّم سيدنا إبراهيم على سيدنا نوح عليهما السلام. فلماذا بعد ذلك ذكر الله عن داود وقال:"وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين…إلى الآية (80) ". مما يتكون الجبل؟ من صخور، ومما تتكون الصخور؟ من تراب. وماذا عن الطير، مما خلقت؟ من تراب. فهذه الأشياء المسخّرة من تراب سخرها لداود، وأشد أنواع الصخور هي الحديد فكذلك سخرها الله لداود عليه السلام. فعنصر التراب هذا بأمر من الله عزّ وجل، فعندما جمعنا الماء والتراب أصبح لدينا طين، فكيف يتم خلق الإنسان منه؟ لابد أن يجف الطين، وما الذي يجفف الطين؟ الهواء. فقال تعالى بعدها:"ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين". فالريح هذه هي التي تجفف الماء من الطين فيصبح صلصال. فلماذا ذكر الله هذه الريح التي مع سليمان من المعروف أنها ريح خيرة ولم يذكر الريح التي أهلك بها قوم لوط وعاد وثمود؟ لأن المسألة فيها خلْق إنسان فبعْث الروح محتاجة شيء طيب وخير. فلماذا بعدها تم ذكر قصة سيدنا أيوب عليه السلام؟ لأن الله عزّ وجل يحب أن يذكر قصة الموت، لأن من المعروف خروج الروح فهو الموت. فما هي علامات الموت؟ البداية هو المرض. فذكر عندها قصة سيدنا أيوب، أصابه المرض لمدة طويلة فمن الممكن أن يموت من هذا المرض ومن الممكن أن يحيا. فبين الله عزّ وجل أن الروح التي تخرج بسبب المرض فسكنّها عند أيوب ولم تخرج بل تشافى. فلماذا بعدها ذكر إسماعيل عليه السلام؟ لأن إسماعيل كان سيموت مرتين وذلك عند ولادته عندما هاجر به وبأمه هاجر إلى مكان الكعبة ولم يجدوا ماءًا وأمه تهرول بين الصفا والمروة لعلها أن ترى ماءا أو أحدًا يعطيها ماءا، إلى أن ضرب إسماعيل بقدميه الأرض أو بجناح جبريل فخرج الماء فهنا كادت روح إسماعيل أن تخرج، وكذلك عندما رأى الرؤيا سيدنا إبراهيم عليه السلام بقتل ابنه وكما هو معروف أن رؤيا الأنبياء حق وعندما تلّه الجبين ناداه ربه أنه قد صدّق الرؤيا فطلب منه أن يذبح الشاة بدلا من ابنه، فهنا أيضًا كادت روح إسماعيل أن تخرج. ثم بعد ذلك ذكر قصة سيدنا زكريا عليه السلام، لماذا؟ فسيدنا زكريا عليه السلام كان رجلًا مسنًا، فصعوبة أن ينجب ولدًا، وامرأته هي الأخرى مسنة، لكن مع هذا قدّر الله عز وجل أن يحيي الحيوانات المنوية التي لدى سيدنا زكريا كما أحيا البويضات لدى زوجته فيخرج سيدنا يحي عليه السلام. فالروح مؤتمرة بأمر الله. ثم ذكر قصة سيدنا عيسى وأمه البتول وبدون أب وبأمر منه الروح نفخت في مريم فخرج عيسى عليه السلام. فكل العناصر بيد الله عز وجل النار، والماء والتراب والهواء والريح والروح أيضًا فلماذا تقولون أن البعث بعيد جدًا؟ فقال تعالى:"اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون".

الحمد لله رب العالمين.

سؤال: الإلمام بقواعد اللغة ومفردات الألفاظ هل له علاقة بالتفسير؟

الجواب: نعم، لابد أن تتوفر به مؤهلات التفسير.

سؤال: كان العرب كما قال تعالى في كتابه إنهم كانوا أميين فكيف يعي الواحد منهم هذه التفاصيل كما تم ذكرها في هذه المحاضرة؟ فالأمر يحتاج حكمة لإدراك مثل هذه الأمور؟

الجواب: من ناحية أمية العرب فعقولهم أرجح من عقولنا، فالأمية التي فيهم أنها أمة لم ينزل عليها كتاب، لذلك سميت بأمة أمية فالغالبية منهم لا يقرأون ولا يكتبون، فليس المقصود بالأمية الجهل وعدم الفهم فبالعكس فعقولهم تزن جبال، فأبو جهل كان يسمى بأبي الحكم لأنه صاحب حكمة. خالد بن الوليد لما سأله ابن مسعود عن عدم إسلامه في البداية مع إنه امتاز برجاحة عقله؟ فقال: كان الأمر يؤول إلى آباءنا، وكانت عقولهم تزن جبال، فعندما مات الآباء آل الأمر إلينا، فنظرنا في الأمر فإذا هو حق، لذلك الوليد بن المغيرة عندما سمع القرآن، أتاه أبا جهل لأنه سمع أن الوليد بن المغيرة أعجب بالقرآن، فقال له: إن قريش تجتمع الآن لتجمع لك مالًا لتعطيك إياه. قال: لِمَ، وقد علمت قريش أني أكثركم مالًا وولدًا؟ فقال أبو جهل: لماذا تذهب إلى محمد؟ فقال الوليد: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله (أي أدق الأمور فيه) لمغدق (بالخير) ، وإنه ليعلو (هذا القرآن) ولا يعلا عليه، وإنه ليحطّم ما تحته. فقال أبو جهل: فقل بالقرآن قولا يسمعه الأول والآخر. نظر الوليد، قال: شاعر، قال: والله إني أعلم الناس بالشعر ما هو بشاعر. قال: كاهن، والله إني أعلم الناس بالكهانة ما هو بكاهن. قال: مجنون، قال: إني أعلم بالناس بالجنون ما هو بمجنون. فقدّر التقدير الأول ثم فكّر وقدّر التقدير الثاني ثم فكّر وقدّر التقدير الثالث ثم قال بعد ذلك: إن هذا إلا سحر يؤثر، إن هذا إلا قول البشر. فقال الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ذرني (أي لا تتدخل، الأمر بيني وبينه) ومن خلقت وحيدا (أي وحيد أبيه، وقد رزقه الله بالأموال والبنين الكثير) & وجعلت له مالًا ممدودا & وبنين شهودا & ومهدت له تمهيدا & ثم يطمع أن أزيد (ثم بعد هذا الكفر يريد أن أزيد، فلم يقل الله عز وجل أزيدا(كممدودا، شهودا، تمهيدا، امتداد) فهذا دليل على انقطاع الزيادة) & كلا (لن أزيد، لن أزيده الهداية بعد أن أعرض عن الله عز وجل) إنه كان لآياتنا عنيدا & سأرهقه صعودا & إنه فكر وقدّر (قال: شاعر) & فقتل كيف قدر (قال: كاهن) & ثم قتل كيف قدر (قال: مجنون) & ثم نظر & ثم عبس وبسر & ثم أدبر واستكبر & فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (يشير ويستهزأ بكتاب الله عز وجل) & إن هذا إلا قول البشر & سأصليه سقر & وما أدراك ما سقر & لا تبقي ولا تذر &". فقريش كانت عقولها تزن جبال لكن بسطاءهم يمكن أن يكونوا أقل من سادتهم. لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمنى أن يسلم أحدهم، لأنهم يفقهون. فالأمية من ناحية القراءة والكتابة وليس من ناحية التفكير، فعندما يقرءوا قصة إبراهيم عليه السلام ويعرفوا النار تحت إمرة الله عزّ وجل، والماء أيضًا في قصة سيدنا نوح عليه السلام أيضًا تحت إمرة الله عزّ وجل."

سؤال:"ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين"

الجواب: في تفسير ابن كثير وحمله على قول عمر بن الخطاب، يقول: من بلغه ومن أسلم ولم يحج فقد مات فمات يهوديًا أو نصرانيًا. فإنهم يروا أن ترك الحج أمر شديد فكأنه يؤدي إلى الكفر. وممكن كذلك أن الله عزّ وجل خاطب العرب ويذكرهم بأبيهم إبراهيم بأن هذا الحج أتى به إبراهيم عليه السلام، وأمرهم بالحج لتوحيد الله عز وجل، فأنتم أصحاب حج وأنتم أبناء إبراهيم وأنتم أولى الناس بالإيمان، والله جعل هذا البيت شرفًا لكم ومع هذا تكفرون بالنبي صلى الله عليه وسلم. وإذا كفرتم فالله غني عنكم.

سؤال: أسماء الكتب التي تتكلم عن ربط الآيات وعلاقتها مع بعض.

الجواب: أفضلها"نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"للمؤلف برهان الدين البقاعي وهذا الكتاب في خمسة وعشرين مجلد،

سؤال: هل يوجد له مختصر؟

الجواب: لا أدري. فإنه من الصعب اختصار ذلك.

القسم: التصنيف الرئيسي » مشايخ وطلبة علم » الشيخ عدنان عبد القادر

عدد القراء: 3276

تاريخ الموضوع: 17 - نوفمبر - 2002 ميلادية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت