الأخ الفاضل سعود الزمانان
وسوف نتكلم عن بعض الأحكام والآداب الشرعية المتعلقة بالنعل والانتعال والتي نوردها فيما يلي:
أولًا: لبس النعال عبادة من العبادات:
يجهل الكثير من المسلمين أن لبس النعال قربة إلى الله جل وعلا وعبادة من العبادات ، فقد حثنا النبي - صلى الله عليه وسلم - على الإكثار من لبس النعال في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"استكثروا من النعال فإن الرجل لا يزال راكبًا ما انتعل"، وقد بوب الإمام النووي - رحمه الله - بابًا سمّاه:"استحباب لبس النعال وما في معناها"وقال في شرحه للحديث السالف:"معناه أنه شبيه بالراكب في خفة المشقة عليه ، وقلة تعبه ، وسلامة رجله ممّا يعرض في الطريق من خشونة وشوك وأذى ، وفيه استحباب الاستظهار في السفر بالنعال وغيرها مما يحتاج إليه المسافر"ا.هـ.
وقد قال ابن العربي - رحمه الله -:"النعال لباس الأنبياء"، وقد جاء هذا الدين الحنيف بكل ما فيه صلاح البلاد والعباد ، فقد أمرنا عليه الصلاة والسلام بكثرة الانتعال ، لدفع المشقة والأذى ، ولحصول السلامة للقدمين .
ثانيًا: استحباب الدعاء عند لبس الجديد من النعال:
بوب الإمام النووي في رياض الصالحين بابًا فقال:"باب ما يقول إذا لبس ثوبًا جديدًا أو نعلًا أو نحوه"ثم ساق حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استجد ثوبًا سماه باسمه - عمامة أو قميصًا أو رداء - يقول:"اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه أسألك من خيره وخير ما صنع له وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له"وصححه الألباني - رحمه الله - .
ثالثًا: استحباب البدء باليمين عند لبس النعال والخلع بالشمال:
يستحب للمرء أن يبدأ برجله اليمنى عن لبسه النعال،,إذا نزعها أن يبدأ بالشمال،قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إذا انتعل أحدكم فليبدء باليمين وإذا نزعها فليبدأ بالشمال لتكن أولها تنعل وآخرهما تنزع"
قال النووي - رحمه الله -:"يستحب البداءة باليمنى في كل ما كان من باب التكريم والزينة والنظافة ونحو ذلك،كلبس النعل والخف والمداس والسراويل والكم وحلق الرأس وترجيله،وقص الشارب ونتف الإبط والسواك والاكتحال وتقليم الأظافر،والوضوء والغسل والتيمم ودخول المسجد،والخروج من الخلاء،ودفع الصدقة وغيرها من أنواع الدفع الحسنة وتناول الأشياء الحسنة ونحو ذلك،ويستحب البداءة باليسار في كل ما ضد السابق،فمن خلع النعل والخف والمداس والسراويل والكم،والخروج من المسجد والاستنجاء،وتناول أحجار الاستنجاء،ومس الذكر،والامتخاط والاستنثار،وتعاطي المستقذرات وأشباهها"
قلت: أمره - صلى الله عليه وسلم - البداءة باليمين مستحب وليس واجبًا،مع أن ظاهر النص يفيد الوجوب،لكنّ الإجماع صرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب كما ذكر ذلك النووي - رحمه الله - في"شرح مسلم".
رابعًا: استحباب الصلاة في النعال:
من السنن المهجورة الصلاة في النعلين، وقد تواتر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في نعليه،وثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالصلاة في النعلين،فقد سئل أنس بن مالك - رضي الله عنه -:"أكان - صلى الله عليه وسلم - يصلي في نعليه؟قال:نعم"،وقال - صلى الله عليه وسلم -:"خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم"
قلت: الصلاة بالنعال مشروعة ولكن ينبغي على المرء أن لا يصلي في نعاله في حالتين:
الحالة الأولى: إن أدت الصلاة في النعال إلى مفسدة أو خصام و تنافر للقلوب بين المصلين،فإنه من الأفضل عدم الصلاة في النعال إذا وصلت الأمور إلى هذا الحد، ،فينبغي على المرء فعل المفضول عنده لمصلحة الموافقة والتأليف، خاصة إذا كان غير مطاع في قومه ،والتأليف بين القلوب مصلحة راجحة على مصلحة الصلاة في النعلين،قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله:"لذلك استحب الأئمة كأحمد وغيره أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل،إذا كان فيه تأليف المأمومين،مثل أن يكون عنده فصل الوتر أفضل،بأن يسلم في الشفع،ثم يصلي ركعة الوتر،وهو يؤم قومًا لا يرون إلا وصل الوتر،فإذا لم يمكنه أن يتقدم إلى الأفضل،كانت المصلحة الحاصلة بموافقته لهم بوصل الوتر أرجح من مصلحة فصله مع كراهتم للصلاة خلفه،وكذلك لو كان ممن يرى المخافتة بالبسملة أفضل،أو الجهر بها،وكان المأمومون على خلاف رأيه"
الحالة الثانية: ألا يكون المسجد مفروشًا بالسجاد ،قال الشيخ الألباني - رحمه الله -:"وقد نصحت إخواننا السلفيين بالمدينة الذين يعرفون بسكان الحرة أن لا يتشددوا في هذه المسألة - أي الصلاة بالنعال في المساجد - لما هناك من فارق بين المساجد اليوم المفروشة بالسجاد الفاخر،وبين ما كان عليه المسجد النبوي في زمنه الأول،وقد قرنت لهم ذلك بمثل من السنة في قصة أخرى ذكرتهم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمر من بادره بالبصاق أو المخاط وهو يصلي أن يبصق عن يساره أو تحت قدميه،وهذا أمر واضح أن هذا يتماشى مع كون الأرض أرض المسجد التي سيضطر للبصاق فيها من الرمل أو الحصباء،فاليوم المصلى مسجد مفروش بالسجاد فهل يقولون أنه يجوز أن يبصق على السجاد فهذه كتلك"
خامسًا: مشروعية المسح على النعال:
قال الألباني - رحمه الله:"أما المسح على النعلين،فقد اشتهر بين العلماء المتأخرين أنه لا يجوز المسح على النعلين،ولا نعلم لهم دليلًا"
وقد صحح الترمذي المسح على الجوربين والنعلين،وحسنه من حديث هزيل عن المغيرة،وحسنه أيضا من حديث الضحاك عن أبي موسى ،وصحح ابن حبان المسح على النعلين من حديث أوس،وصحح ابن خزيمة حديث ابن عمر في المسح على النعال السبتية،وما ذكره البيهقي من حديث زيد بن الحباب جيد، وقال أبو بكر البزار:ثنا إبراهيم بن سعيد ثنا روح بن عبادة عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر:كان يتوضأ ونعلاه في رجليه ويمسح عليهما،ويقول:كذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل وصححه ابن القطان.
وقال الألباني - رحمه الله -: وإذا عرفت هذا، فلا يجوز التردد في قبول هذه الرخصة بعد ثبوت الحديث بها... لا سيما بعد جريان عمل الصحابة بها،وفي مقدمتهم الخليفة الراشد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كما تقدم،وهو مما ذهب إليه بعض الأئمة من السلف الصالح - رضي الله عنهم أجمعين""
سادسًا: كيفية تطهير النعلين لمن أراد الصلاة فيهما:
إذا أتى المرء إلى المسجد فعليه أن ينظر في نعليه فإن رأى فيهما وسخ أو أذى فليمسحهما في الأرض فإنه تطهير لهما،لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما"
سابعًا: موضع النعلين إذا لم يصل فيهما:
إذا أراد المصلي أن يصلي في غير نعليه فإنه يضع نعليه تحت رجليه،أو عن يساره إن لم يكن عن يساره أحد،فإن كان عن يساره مصلي فيضعهما تحت رجليه،أو خلفه إن لم يكن خلفه أحد،ولا ينبغي للمصلي أن يضع نعليه عن يمينه أو قدامه اتباعًا لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه عن يمينه ولا عن يساره فتكون عن يمين غيره إلا أن لا يكون عن يساره أحد وليضعهما بين رجليه"
وقال المباركفوري في"مرعاة المفاتيح":"وفي رواية بأن لا يضعهما عن يمينه أو قدامه وليجعلهما بين رجليه أو ليصلّ فيهما... وقال العراقي هذا حديث صحيح الإسناد... وقال أيضًا: ولم يقل:"أو خلفه"لئلا يقع قدام غيره أو لئلا يذهب خشوعه لاحتمال أن يسرق"
ثامنًا: من أخذت نعله ووجد غيرها:
قال ابن قدامة - رحمه الله - في"الشرح الكبير":"ومن أخذت ثيابه في الحمام ووجد بدلها،أو أخذ مداسه وترك له بدله لم يملكه بذلك... فإن كانت ثم قرينة تدل على السرقة بأن تكون ثيابه أو مداسه خيرًا من المتروك له وكانت ممّا لا يشتبه على الآخذ بثيابه ومداسه فلا حاجة إلى التعريف،لأن التعريف إنما جعل على المال الضائع من ربه ليعلم به ويأخذه،وتارك هذا عالم به راض ببذله عوضًا عما أخذه ولا يعترف أنه له فلا يحصل من تعريفه فائدة،... وفيما يصنع به ثلاثة أوجه:أحدها: يتصدق به على ما ذكرنا،والثاني: أنه يباح له أخذها لأن صاحبها في الظاهر تركها له بادلًا إياها عوضًا عما أخذه فصار كالمبيح له أخذها بلسانه،فصار كمن قهر إنسانًا على أخذ ثوبه ودفع إليه درهمًا،والثالث: يرفعها إلى الحاكم ليبيعها ويدفع إليه ثمنها عوضًا عن ماله،والوجه الثاني أقرب إلى الرفق بالناس،لأ، فيه نفعًا لمن سرقت ثيابه بحصول عوض عنها،ونفعًا للسارق بالتخفيف عنه من الإثم وحفظًا لهذه الثياب المتروكة من الضياع."
وقد أباح بعض أهل العلم فيمن له على إنسان حق من دين أو غصب أن يأخذ من ماله بقدر حقه إذا عجز عن استيفائه بغير ذلك،فههنا مع رضا من عليه الحق يأخذه أولى،وإن كانت ثم قرينة على أن الآخذ للثياب إنما أخذها ظنا منه أنها ثيابه،مثل أن تكون المتروكة مثل المأخوذة أو خيرًا منها،وهي ما تشتبه بها فينبغي أن يعرفها ههنا،لأن صاحبها لم يتركها عمدًا فهي بمنزلة الضائعة،والظاهر أنه إذا علم بها أخذها ورد ما كان أخذه فتصير كاللقطة في المعنى،وبعد التعريف إذا لم تعرف ففيها الأوجه الثلاثة المذكورة إلا أننا إذا قلنا يأخذها أو يبيعها الحاكم ويدفع إليه ثمنها،فإنما يأخذ بقدر قيمة ثيابه من غير زيادة،لأن الزائد فاضل عما يستحقه ولم يرض صاحبها بتركها عوضًا عما أخذه،فإنه لم يأخذ غيرها اختيارًا منه لتركها ولا رضى بالمعاوضة بها،وإذا قلنا إنه يدفعها إلى الحاكم ليبيعها ويدفع إليه ثمنها فله أن يشتريها بثمن في ذمته،ويسقط عنه من ثمنها ما قابل ثيابه ويتصدق بالباقي""
تاسعا: يشرع لمن دخل المقابر خلع نعليه:
سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية:هل خلع النعال في المقابر من السنة أم بدعة ؟ فأجابت:"يشرع لمن دخل المقبرة خلع نعليه،لما روى بشير بن الخصاصية قال:"بينا أنا أماشي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رجل يمشي في القبور وعليه نعلان،فقال:يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتيك"فنظر الرجل،فلما عرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلعهما فرمى بهما"رواه أبو داود،وقال أحمد:إسناد حديث بشير بن الخصاصية جيد،أذهب إليه إلا من علة،والعلة التي أشار إليها أحمد - رحمه الله - كالشوك والرمضاء ونحوهما،فلا بأس بالمشي فيهما بين القبور لتوقي الأذى""
قلت:السبت بالكسر،جلود البقر المدبوغة بالقرظ يتخذ منها النعال سميت بذلك لأن شعرها سبت عنها أي حلق وأزيل.