كنوز السيرة للشيخ عثمان الخميس - 6
الشيخ عثمان الخميس
;يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا""
أي لن يستطيعوا فقول صفوان والله إن في العيش بعدهم خير أي ليس في العيش بعدهم خير فقال له عمير صدقت والله أما والله لولا دين علي ليس له عندي قضاء وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت إلى محمد حتى أقتله فإن لي قبلهم علة ابني أسير في أيديهم فقال له صفوان (وقد استغل هذه الكلمات) دينك عليّ أنا اقضيه عنك وعيالك مع عيالي ولا يسعني شيء ويعجز عنهم قال له عمير وقد أُلزم (بضم الألف) بما قال فاكتم عني شأني وشأنك قال أفعل ثم أخذ عمير سيفه ثم انطلق حتى قدم المدينة فبينما هو على باب المسجد ينيخ راحلته (يعني في المدينة) رآه عمر بن الخطاب وهو في نفر من المسلمين فقال عمر: هذا عدو الله عمير ما جاء إلا لشر ثمّ دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا نبي الله هذا عدو الله عمير قد جاء متوشحًا سيفه فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فأدخله علي فأقبل عمير فلببه في حمالة سيفه (أي ضمه ضمًا بحيث أنه لا يستطيع أن يمسك سيفه) وقال لرجال من الأنصار: ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث فإنه غير مأمون (أي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم) فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه قال: أرسله يا عمر ادنُ يا عمير فقال عمير: انعموا صباحًا فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنة (إذًا لا ينبغي لنا إذا دخل علينا أحد أو دخلنا على أحد أن نقول مرحبا أو مساء الخير أو غير هذه من الكلمات وإن كانت هي في أصلها جميلة ولكن بعد السلام فالأول يبدأ بالسلام فيقول السلام عليكم ثمّ إن شاء قال مرحبًا أو مساء الخير أو ما شاء من هذه الكلمات) ثمّ قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي بين أيديكم فأحسنوا فيه فقال: فما بال السيف في عنقك؟ قال: قبحها الله من سيوف وهل أغنت عنّا شيئًا؟! قال: أصدقني مالذي جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك قال بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحِجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ثمّ قلت أنت لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدًا فتحمّل صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني والله حائل بينك وبين ذلك استغرب عمير كيف عرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الأمر فقال عمير: أشهد أنك رسول الله قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي هذا الأمر لم يحضره إلا أنا وصفوان فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله الحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق ثمّ تشهد شهادة الحق (أي قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فقّهوا أخاكم في دينه واقرؤه القرآن واطلقوا له أسيره. أما صفوان في مكة فكان ينتظر خبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان يقول لأهل مكة ابشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر وكلما جاء ركب قال لهم: ما حال عمير؟ حتى جاء ركب فقال لهم: ما حال عمير؟ فقالوا: أسلم فحلف صفوان ألاّ يكلمه أبدًا ورجع عمير إلى مكة وأقام بها يدعو إلى الإسلام فأسلم على يديه أناس كثير ، سبحان الله خرج كي يقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثمّ رجع داعية إلى الله جلّ وعلا.
يهود بنو قينقاع:
مرّ بنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عقد معاهدات مع اليهود في المدينة وكان ممن عقد معهم المعاهدات بنو قينقاع كانوا شر الطوائف وأشجعهم وكانوا يسكنون داخل المدينة في حي باسمهم (أي حي بني قينقاع) وكانوا صاغة للذهب وحدادين وصنّاعًا للأواني وكان عدد المقاتلين فيهم سبعمائة وهم أو من نكث العهد والميثاق مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم. روى داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما أصاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قريشًا يوم بدر وقدم إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع فقال لهم: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثلما أصاب قريشًا قالوا: يا محمد لا يغرّنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال إنك لو قاتلتنا لعرفت أن نحن الناس وأنك لم تلق مثلنا فأنزل الله تبارك وتعالى مدافعًا عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم قال"قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم أية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار". وقد روى ابن هشام في سيرته عن أبي عون أن امرأة من العرب قدمت إلى السوق بجلب لها (أي بضاعة) فباعته في سوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها وهي لا تعلم فلما قامت انكشفت سوأتها فضحك عليها اليهود فصاحت فوثب رجل من المسلمين فقتل الصائغ فقام اليهود وقتلوا المسلم فاستصرخ أهل المسلم على اليهود فوقع بينهم شر (أي قتال) داخل السوق عند ذلك قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبدالمنذر وأعطى لواء المسلمين حمزة بن عبد المطلب وسار بجنود الله إلى بني قينقاع ولما رأوه تحصنوا في الحصون فحاصرهم أشد الحصار صلوات الله وسلامه عليه وذلك في شوال في السنة الثانية من الهجرة واستمر الحصار خمس عشرة ليلة وقذف الله في قلوبهم الرعب فنزلوا على حكم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في رقابهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم فأمر بهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكتفوا وعند ذلك قام الخبيث عبدالله بن أبي بن سلول رأس المنافقين فألح على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعفو عنهم قال: يا محمد أحسن إلى موالي وكانوا حلفاء الخزرج وهو سيد الخزرج ومن كبار ساداتهم فسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكرر مقالته فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأمسك بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أرسلني ثمّ قال: ويحك أرسلني فقال المنافق: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في مواليي أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع منعوني من الأحمر والأسود أي لما كانوا مواليي تحصدهم في غداة واحدة إني والله امرء أخشى الدوائر قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هم لك فوهبهم له ولكن أمرهم أن يخرجوا من المدينة وأن لا يجاوروه فيها فخرجوا إلى الشام وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقتل رجل يقال له كعب بن الأشرف من اليهود وكان من أشد اليهود أذى وحقدًا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذلك أن هذا اليهودي صار يهجو النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ويمدح أعداء النبي ويحرضهم عليه حتى سافر إلى قريش فنزل على المطلب بن أبي وداعة السهمي وجعل ينشد الأشعار يبكي فيها على أصحاب القليب من قتلى المشركين يريد أن يهيج أهل مكة للانتقام وهناك سأله أهل مكة أديننا أحب إليك أم دين محمد وأصحابه؟ وأي الفريقين أهدى سبيلا؟ فقال: أنتم أهدى سبيلا وقام وسجد لأصنامهم فأنزل الله جل وعلا"ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا"حينئذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من لكعب بن الأشرف فإنه آذى الله وورسوله فانتدب له محمد بن مسلمة وعباد بن بشر ورجل يقال له أبو نائلة فذهبوا إليه وقتلوه في قصة طويلة.
غزوة أحد: