الأخ الفاضل عبد الكريم الحربي
وقال جل في علاه وتبارك في عالي سماه"وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا" [ سورة الأحزاب: آية35]
وقال سبحانه"كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ" [ الحاقة:آية 24]
قال وكيع ـ رحمه الله ـ إنها أيام الصوم ، تركوا فيها الأكل والشرب.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:""إذا دخل رمضان فُتِحت أبواب الجنة ، وغُلِّقّتْ أبواب جهنم ، وسُلسِلَت الشياطين"" [رواه البخاري1899، ومسلم1079]
وقال صلى الله عليه وسلم""إنَّ في الجَنَّةِ بابًا يُقال له الرَّيان ، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم ، يقال: أين الصائمون؟ فيقومونَ لا يدخل من أحد غيرهم ، فإذا دخلوا أُغْلِقَ فلم يَدخل من أحد"" [ رواه البخاري1896،ومسلم1152]
وقيل: الصيام زكاة البدن.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:""الصلوات الخمس ، والجمعة إلي الجمعة ، ورمضان إلي رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتُنِبت الكبائر"" [ رواه مسلم233]
وقال صلى الله عليه وسلم:""من صام رمضان إيمانًا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه"" [رواه البخاري38، ومسلم760]
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: مَنْ عَطَّش نفسه لله في يوم شديد الحر من أيام الدنيا كان حقًا على الله أن يرويه يوم القيامة.
وفضل الصيام غزير عظيم لأن الله خَصَّهُ بالإضافة إليه
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مُخبرا عن ربَّهِ سبحانه وتعالى:""كلُّ عَمَلِ ابن آدم له إلاَ الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، ولَخَلُوف فَمش الصائمِ أطيبُ عند الله من ريح المسك"" [ البخاري5927، ومسلم1151]
وقد يُكتفى في فضله بهذا الحديث العظيم
على من يجب الصوم؟
يجب الصوم على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم أدرك أيام شهر رمضان. والمريض مرضًا يُرجَى بُرؤه يُفطر إن شق عليه الصوم، ويقضي بعد بُرئه، والعجز عن الصوم لسبب دائم ـ كالكبير والمريض مرضًا لا يرجى بُرؤه ـ يطعم عن كل يوم مسكينًا ، والحامل والمرضع إذا شَقَ عليها الصوم بسبب الحمل أو الرضا أو خافتا على ولديهما تُفطران ن وتقضيان الصوم إذا سهل عليهما وزال الخوف، والحائض والنفساء لا تصومان حال الحيض والنفاس ، وتقضيان ما فاتهما، والمضطر للفطر كالذي يريد إنقاذ غريق أو حريق يفطر لينقذه ، ثم يقضي ، والمسافر إن شاء صام وإن شاء أفطر ، ويقضي ما أفطره ، سواء كان سفرًا عارضًا أو دائمًا كسائقي سيارات الأجرة والنقل، فيفطرون إن شاؤوا ما داموا في غير بلدهم.
ويجب تَبْييتُ النية في صوم الفريضة قبل طلوع الفجر ، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم:""إنما الأعمالُ بالنيات""
ولقوله صلى الله عليه وسلم""من لم يُجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له"" [ حديث حسن رواه أبو داود 2454، والنسائي في الكبرى2640 وغيرهم]
من غير أن يتلفظ ويقول نويت صيام كذا بل ينوي في قلبه فقط
مفسدات الصوم
1)الأكل والشرب عمدًا فإن أكل وشرب ناسيًا فيُتم صومه ولا قضاء عليه وصومه صحيح.
2)القئ عمدًا فإن غلبه القئ فلا قضاء عليه ولا كفارة فيتم صومه وصومه صحيح.
3)الحيض والنفاس قبل غروب الشمس وعليها القضاء.
4)الحقن الغذائية.
5)الجماع وهو يوجب القضاء والكفارة على الرجل وحده ، وعلى المرأة القضاء فقط، والكفارة على الترتيب: العتق فإن لم يستطع يصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع يُطعم ستين مسكينًا من أوسط ما يُطعم أهله.
6)الاستمناء.
7)من نوى الفطر في نهار رمضان يبطل صومه وإن لم يتناول مفطرًا، لأن النية من أركان الصيام.
حكم من مات وعليه صيام
من مات وعليه صيام فإن كان عاجزًا فلا يُصام عنه لأنه كان معذورًا، وإن تمكن من صيامه ولم يصمه يستحب لوَليِّهِ أن يصوم عنه ، ويبرأ الميت ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما ـ أن رجلًا جاء إلي النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صيام شهر أفأقضيه عنها ؟ فقال صلى الله عليه وسلم:"لو كان على أمِّكَ دينٌ أكنت قاضيه ؟ قال: نعم ،قل"فَدَيْنُ اللهِ أَحَق أن يُقضى" [ البخاري 1953، مسلم واللفظ له1148] "
وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى اله عليه وسلم قال:"مَنْ ماتَ وَعَليه صِيامٌ صامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ" [ البخاري1952، ومسلم 1147]
والمراد بالولي على الصحيح هو"كل قريب سواء كان من الورثة أو العصبة"ويصح كذلك أن يقضي عنه الأجنبي ، وذكر الولي لكونه الغالب ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم شبه بالدين والدين لا يختص بالقريب.
ما يستحب للصائم في رمضان
1)السحور لقوله صلى الله عليه وسلم:"تسحروا فإن في السحور بركة"
[ البخاري 1923، ومسلم1095]
وبركته تقوية الصائم فيسهل عليه الصوم . والسحور يتحقق ولو بجرعة ماء لقوله صلى الله عليه وسلم:"السحور أكلُهُ بركة ، فلا تدعوه ولو أن يَجرعَ أحدكم جرعة ماء، فإن الله عز وجل وملائكته يُصلون على المُتسحرين" [ حديث حسن أخرجه أحمد3/12]
ويُستحب أن يتسَحَّرَ تمرًا ، لقوله صلى الله عليه وسلم:"نَعمَ سُحورُ المؤمنِ التمرُ" [ حديث صحيح رواه ابو داود 2345، وغيره]
ويستحب تأخيره إلي قبيل الفجر ، فعن أنس رضي الله عنه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال: تسحرنا مع النبي صل الله عليه وسلم، ثم قام إلي الصلاة . قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية""
[ البخاري1957، ومسلم1097]
ولو شك في طلوع الفجر فله أن يأكل ويشرب حتى يستيقن طلوعه ولا يعمل بالشك . قال الإمام أحمد رحمه الله: إذا شك في الفجر يأكل حتى يستيقن طلوعه.
وإذا كان يشرب أو يأكل وسمع الأذان الثاني للفجر فله أن يُكمل شرابه ولقيمته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا سمعَ أحدكم النداء والإناء على يده فلا يَضَعْهُ حتى يقضي حاجته منه" [حديث صحيح رواه ابو داود 235وغيره]
2)تعجيل الفطر: لمخالفة اليهود والنصارى فإنهم يؤخرون حتى تظهر النجوم، قال صلى الله عليه وسلم:"لا يزال الناس بخير ما عَجذَلُوا الفطر"
[ البخاري1957، ومسلم 1098]
3)البدء بالإفطار على الرطب ، فإن لم يجد فعلى التمر ، فإن لم يجد فعلى الماء، فعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم"يُفطر على رُطبات قبل أن يصلي ، فإن لم تكن فعلى تمرات ، فإن لم تكن حسَا حَسَوات من ماء" [ حديث حسن رواه أحمد 3/164]
4)ويستحب الإفطار قبل صلاة المغرب على ما ذكر ، وبعد الصلاة يكمل حاجته من الطعام ، إلا إذا كان الطعام حاضرًا فالمستحب أن يبدأ به قبل الصلاة لأثر الذي ورد عن النبي صلى اله عليه وسلم.
5)الإكثار من الدعاء أثناء الصوم وعند الإفطار قال صلى الله عليه وسلم:"إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد" [ حديث حسن رواه ابن ماجه1753]
6)اجتناب ما يخدش الصوم من السب واللغو والرَّفّث وسائر ما نهى الله عنه ، لقوله صلى الله عليه وسلم:"ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو ، والرفث، فإن سابَّك أحد ، أو جهل عليك ، فقل إني صائم" [حديث صحيح رواه ابن خزيمة1996]
ولقوله صلى الله عليه وسلم:"الصيام جُنَّة ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ، ولا يصخب ، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم" [رواه البخاري 1904]
7)السواك: قال صلى الله عليه وسلم:"السواك مطهرةٌ للفم ، مرضاةٌ للرب" [حديث صحيح رواه النسائي4، وابن خزيمة 135]
8)الجود والسخاء والكرم والصدقة والعطاء والبذل وإطعام الطعام وإكرام الجار
9)حضور الدروس وحلق الذكر ومدارسة القرآن وقراءته وحفظه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة" [ رواه البخاري 6، ومسلم 2308]
10)الاجتهاد في العبادة وبالأخص في العشر الأواخر ، فعن عائشة رضي الله عنها:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر الأواخر شد مئزره، وأحيا ليله ، وأيقظ أهله" [ رواه البخاري2024، ومسلم1174]
11)تحري ليلة القدر وطلبها في الوتر من العشر الأواخر لأنها أفضل ليلة في السنة كلها والعمل الصالح فيها خير من ألف شهر ليس فيه ليلة القدر ، قال تعالى
ولقوله صلى الله عليه وسلم:"من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" [ رواه البخاري2014،ومسلم760]
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. أرأيت إن وافقت ليلة القدر، ما أدعو فيها ؟ قال: قولي"الهُمَّ إنكَ عَفُوٌّ تُحبُّ العفوَ فاعفَ عني" [رواه الترمذي3513،وابن ماجه 3850]
12)قيام ليالي رمضان:
قال صلى الله عليه وسلم:"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفرَ له ما تقدم من ذنبه" [ رواه البخاري37، ومسلم759]
13)الإعتكاف وهو لزوم المسجد والإقامة فيه مدة محددة قليلة أو كثيرة بنية التقرب إلي الله عز وجل وطلبًا لثوابه واقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام ، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا [ رواه البخاري 2044]
وللمعتكف أن يقطع اعتكافه متى شاء قبل انقضاء المدة التي نوها ويستحب له قضاءه، وقيل: يجب عليه أن يقضي ، والأفضل أن يعتكف في مسجد تقام فيه الصلوات الخمس والجمعة ن وأفضل وقت للاعتكاف في رمضان العشر الأواخر ومن نوى اعتكفاها فإنه يدخل معتكفه قبل غروب الشمس ويخرج بعد غروب الشمس آخر يوم من الشهر و يستحب أن يبقى في المسجد حتى يخرج إلي صلاة العيد، ويستحب للمعتكف الإكثار من الذكر والنوافل وتلاوة القرآن ، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، والدعاء ، ومن جميع ما يُقرب العبد بربه عز وجل
ويباح للمعتكف ترجيل شعره، ونظافته ، والأكل، والشرب، والنوم في المسجد ، مع المحافظة على نظافة المسجد وصيانته ، ويباح له توديع أهله، والخروج للحاجة التي لا بد منها، فعن عائشة رضي الله عنها ، أنها قالت:"إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لَيُدْخِل عَلَيَّ رأسه وهو في المسجد فأرجِّله، وكان لا يَدْخُلُ البيتَ إلا لحاجة إذا كان معتكفًا" [رواه البخاري2029ومسلم297]
قال ابن المنذر ـ رحمه الله: أجمع العلماء على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول .