فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 316

الشيخ صالح اللحيدان

لعله من العسير أو هو يقرُبُ من ذلك اكتشاف الموهبة من خلال النظر ولو كان طويلًا ما لم يكن هناك ضوابط حرة متفق عليها لاكتشاف هذه الموهبة وذلك أنني هنا أجزم غير ظانٍّ أن هناك خطًا قد حصل بين صفات النبوغ المبكر والذكاء الحاد المبكر (والموهبة) جر هذا تبعات قد يكون لها ولو بعد سنين وسنين آراء ليست بما يراد من الموهوب القيام إلا على وجه صاف حاذق غير مسبوق بينما الذي بين أيدينا إنما هو من ذوي النبوغ أو الذكاء في حالة أو حالات وقد يتطرق إلى الحياة طردًا مع الأيام نسبة عالية من النابغين وحادّي الذكاء لكنهم ليسوا: موهوبين مما يشكل قلقًا ولو خفيًا في انعدام الإضافات في مجالات عدة إنما فقط استمرار الشيء على ما هو عليه مع حسن تصرف وحسن تصور لكن مع انعدام التجديد الدال على المواكبة والسيادة مما قد يولد آثارًا جانبية تكون سببًا في السير على نمط وان بدا انه تقدم وتجدد.

لقد قلت من قبل عن الإمام (البغوي) ما قلت وما يملكه هذا الرجل يملكه من قبل ومن بعد كل موهوب في السياسة والاقتصاد والإدارة والصناعة والبحث العلمي والأدبي والنقدي والشعري إذ الموهبة ذات صفة متحدة في كافة صفات العقل والسمات الظاهرة العامة وان اختلفت الموهبة بين هذا وذاك من حيث الميل والرغبة لكنها في مجمل حالها الدفين العميق واحدة.

ولعلي أرسم خطًا أو خطوطًا لبعض كبار العلماء الموهوبين في هذه الأمة الذين أضافوا وجددوا بعيدين كل البعد عن التكرار والحفظ المجرد والإنشائيات والاتجاه نحو مجرد الوعظ الحفظي السردي ليتبين لنا الموهبة وان كانت علمية شرعية إلا أنها صفة عامة يمكن توظيفها والمحافظة عليها في كل مجال ذكرته آنفًا وحتى تتسم العملية بروح العبر والتأني لدفع نخبة من علماء في مجالات كثيرة يضيفون ويبتكرون ويكتشفون.

جاء في (تذكرة الحفاظ) للذهبي ج4 قال في ص1498 وما بعدها: (المزي شيخنا الإمام العالم الحبر الأوحد محدث الشام جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبدالرحمن بن يوسف القضاعي الكلبي الدمشقي ولد بظاهر حلب سنة أربع وخمسين وستمائة ونشأ بالمزة وحفظ القرآن وتفقه قليلًا ثم أقبل على هذا الشأن سمع من أول شيء كتاب الحلية كله على ابن أبي الخير سنة خمس وسبعين ثم أكثر عنه وسمع المسند والكتب الستة ومعجم الطبراني والأجزاء الطبرزدية والكندية، وسمع صحيح مسلم من الأريلي ورحل سنة ثلاث وثمانين فسمع من العز الحراني وأبي بكر بن الأنماطي وغازي، وهذه الطبقة وسمع بالحرمين وحلب وحماة وبعلبك وغير ذلك.

ونسخ بخط يده المليح المتقن كثيرًا لنفسه ولغيره ونظر اللغة ومهر فيها في التصريف وقرأ العربية، وأما معرفة الرجال فهو حامل لوائها والقائم بأعبائها لم تر العيون مثله.

عمل كتاب: (تهذيب الكمال) في مائتي جزء وخمسين جزءًا وعمل كتاب: (الأطراف) في بضعة وثمانين جزءًا وخرَّجَ لنفسه وأملى مجالس وأوضح: (مشكلات ومعضلات) «ما سُبق إليها» في علم الحديث ورجاله، وولي المشيخة بأماكن منها الدار الأشرفية، وكان (ثقة حجة) (كثير العلم حسن الأخلاق كثير السكوت قليل الكلام جدًا صادق اللهجة لم تعرف له صبوة) .

(وكان يطالع وينقل الطباق إذا حدث وهو في ذلك لا يكاد يخفى عليه شيء مما يقرأ بل يرد في المتن والإسناد ردًا مفيدًا يتعجب منه فضلاء الجماعة، وكان متواضعًا حليمًا صبورًا مقتصدًا في ملبسه ومأكله كثير المشي في مصالحة) .

فالمزي على هذا:

1 عمل كتاب (تهذيب الكمال) في مائتي جزء وخمسين جزءًا.

2 وعمل كتاب (الأطراف) في بضعة وثمانين جزءًا.

3 وخرج لنفسه وأملى مجالس.

4 وأوضح مشكلات ومعضلات (ما سُبق إليها في علم الحديث)

5 (ورجاله) .

6 وكان ثقة حسن الأخلاق كثير السكوت قليل الكلام.

7 وكان متواضعًا حليمًا صبورًا.

وبتمعن ما جاء في (التذكرة) من تمام ترجمة هذا العالم الكبير يتبين لنا إضافات كثيرة فوق ما رقمتها عنه هنا يتضح منها أننا أمام أحد كبار العلماء الذين أضافوا وبذلوا: علومًا وآراء لم يسبق إليها وما هذا إلا لما أراده الله تعالى لهذه الأمة من: الرفعة والسؤدد والحياة الدائمة عن طريق استنطاق النص للاجتهاد الإضافي فيما يدل عليه مما لم يكن من قبل وما تحتاجه الأمة في مستجدات النوازل مهما كان وقعها وورودها، وصفاء الذهن وأكل الحلال وصلاح القصد وسعة النظر والحلم والتواضع ومعرفة قدر النفس وفقه الواقع ولزوم الحق وبعد الغور والسمت والدل وبساطة الحياة كل هذا يكون غالبًا عنوانًا على كبر عقل وسعة علم الرجل ما لم يضرب بحسد أو وشاية مدروسة دائمة أو حقد يكانفه سوء فهم ولعل هذا وذاك لا يضران مادام المرء واضحًا وإنما تكشف الأيام عن كل ذي سوء ومصلحة منشودة بذكاء أو غباء.

يقول الذهبي: (الطبقة السادسة عشرة، من كبار الحفاظ والجملة خمسة عشر نفسًا 1079 1/16 محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر، الحافظ الإمام محدث العراق أبو الفضل السلامي، توفي أبوه شابًا وهذا صغير فكفله جده لأمه الفقيه أبو الحكيم الخبري واسمعه الحديث وأحفظه الختمة.

مولده سنة سبع وستين وأربعمائة وسمع من أبي القاسم علي بن البسري وأبي طاهر وابن أبي الصقر وعاصم بن الحسن ومالك البانياسي وأبا الغنائم بن أبي عثمان.

وبالغ في الطلب بعد أن برع في اللغة وحصل الفقه والنحو.

(قال ابن الجوزي: كان ثقة حافظًا ضابطًا من أهل السنة) .

(قرأتُ بخط الحافظ الضياء: أجاز لابن ناصر أبو القاسم علي بن عبدالرحمن ابن عليك في سنة ثمان وستين وأربعمائة وأبو صالح المؤذن وفاطمة بنت الدقاق والفضل بن المحب) .

(قال ابن النجار: كان ثقة ثبتًا حسن الطريقة متدينًا(فقيرًا) (متعففًا/نظيفًا) (نزهًا) .

وأطنب الإمام الذهبي عن هذا العالم الجليل السيد الفخم مع كونه فقيرًا أطنب عنه بما أراه ضروريًا لنظر ترجمته هناك ففيها عبر وآيات لاسيما وهو أحد كبار العلماء الذين أضافوا التجديد الجديد في (فقه الخطاب الشرعي) واللغة والنحو وانكب ينظر ويطالع ويستدعي (الموهبة) بورع وعفاف وكمال تصور وصفاء نظر حتى رسم اسمه عبر القرون أبدًا لا ليترجم له أو تسود صفحات التراجم باسمه.. و .. و .. وبل ليكون أحد الذين أضافوا جديدًا لم يكن من قبل، وما ذكره ابن الجوزي وابن النجار والذهبي وسواهم عنه وما ذكره هؤلاء يبين للخريت الألعي كم كان قدر هؤلاء الكبار مع فقر وبساطة وعدل وحسن خلق وتفتيق لأبكار النظر من هنا وهناك.

لا جرم فلعل مسألة واحدة جديدة مما طرقها أحد كبار العلماء ممن ترجم لهم الذهبي وسواه خلال العهود السبعة منذ بدء البعثة الشريفة حتى القرن الثامن يبين حالة الآيات العجيبة لعالم قدير .

كيف بذل وبذل حتى فك الطلسم النازل من النوازل.

عجيب أمر هؤلاء الكبار.

لكن لا عجب فإن من يقرأ مطولات/ فقه الخطاب وما حصل فيه من: اجتهادات وإضافات سوف يتضح له مقدار: عقل ونزاهة وأمانة وضخامة الفهم وعبقرية التجديد الذي سوف يفرع منه اللاحقون ما يفرعون.

لا عجب فإن قراءة سيرهم تولد إحساسًا مع الأيام بتذكير الموهبة وتنبيهها وتنشيطها لتكون أو ليحصل الاكتساب للموهبة.

وقد كان هذا ديدن القروم من النابهين من علماء الأمصار.

وجدير بعقل نابه يقظ فطن.. جدير به استلهام المسألة ليبدي حولها مرة ومرة وثالثة حتى تتفق لديه طريقة الإضافة الحقة الجديدة خاصة فيمن يميل نحو: طول التأمل وسعة البطان ونزاهة البذل وعمق النظر حيال دلالات النص وطرحها أمام كل نازلة بنظر جاد متمكن مركز.

ولقد يعجب العالم ذكرًا أو أنثى وهو يطالع (تهذيب الكمال) للمزي كيف أضاف من أضاف ما أضاف مع حالة انفراد يظن صحبه به انطواء ومرضًا فإذا ذاك يتمخض عن ولادات علمية ليس لها سابقة وعن بذل علمي تمخض عنه إضافة جديدة مع إضافات سابقة لكنها منفردة بجلالها وحاجة الأمة إليها وتهذيب الكمال بجانب كونه تراجم وروايات ونكتًا علمية لكنه كتاب على كبره يدفع بقارئه إلى نسيان حالته ليسبح مع من ترجم لهم في حياتهم ليرى نجومًا يهتدى بها عبر تطاول العهود.

القسم: التصنيف الرئيسي » الشيخ صالح اللحيدان

عدد القراء: 1446

تاريخ الموضوع: 20 - مارس - 2003 ميلادية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت