الشيخ صالح اللحيدان
تخففًا من نظر مطولات الأسفار وتأصيل العلوم والانكباب على الركب للحاق بالركب، وتحديق العينين لقنص غنيمة أو غنيمتين، والانحناء لإبصار كبار علماء الأمصار عبر القرون الطوال، وتقليل المذاق لتنبيه الفهاق، أقول تخففًا من العميق من نظر خطاب الموهوبين خلال القرون الثلاثة المفضلة أحببت هنا جلب شعر تذوقته بحكم تذوقي الخاص وبحكم كوني شاعرًا مُقلاًّ أجلبه من بين ثنايا ما كتبه التاريخ عن الشاعر إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان المعروف بأبي العتاهية، وليس ما أدونه هنا ترجمة له أو شرح لشعره إنما ذلك في صيد قيدته بين حين وحين لأكتبه فيما بعد،
وها هي مناسبة جيدة أن يشترك معي آخرون عبر صحيفة مقروءة طُرًا على طُر وقيدي لبعض شعره ليس إلا من صيد المختلف من هنا وهناك ما بين سمينٍ وسط، وشارد، وناد، وفاد، وهاد، وقاد.
واللوم عند عدم حسن الاختيار الذي قد يكون إنما مصبُّه على العجلة (مني) في حب: القيد خشية تململ الصيد من القيد فلعله يهيم ودونه إذا شرد فصول البيد والغيد أجلب من شعره ما أجلب وخلا المطمئن ذم وها أنذا أبدأ ولعلي ممن يقيدون الجبال يقول: أبو العتاهية:
إذا كنت متخذًا خليلًا فتنق وانتقد الخليلا
من لم يكن لك منصفًا في الود فابغ به بديلًا
ولربما سئل البخي لُ الشيء لا يسوى فتيلا
فيقول لا أجد السَّبي ل إليه يكون أن ينيلا
فلذاك لا جعل الإله له إلى خيرٍ سبيلا
فاضرب بطرفك حيث شئ ت فلن ترى إلا بخيلا
وقال أيضًا:
إذا المرء لم يعتق من المال نفسه تملَّكه المال الذي هو مالكه
ألا إنما مالي الذي أنا منفقٌ وليس لي المال الذي أنا تاركه
إذا كنت ذا مال فبادر به الذي يحق وإلا استهلكته مهالكه
وقال:
كبرنا أيها الأتراب حتى كأنا لم نكن حينًا شبابا
وكنا كالغصون إذا تثنَّت من الريحان مونقة رطابا
إلى كم طول صبوتنا بدارٍ رأيت لها اغتصابًا واستلابا
إلا ما للكهول وللتصابي إذا ما اغتر مكتهلٌ تصابى
فزعت إلى خضاب الشيب منه وان نصوله فضح الخضابا
مضى عني الشباب بغير ودِّي فعند الله أحتسب الشبابا
وما من غاية إلا المزايا لمن خلقت شبيبته وشابا
وما منك الشباب ولست منه إذا سألتك لحيتك الخضابا
ويقول كذلك:
ما للجديدين لا يبلى اختلافهما وكل غضٍّ جديد فيهما بالي يا من سلا عن حبيب بعد ميتته كم بعد موتك أيضا عنك من سالي كأن كل نعيم أنت ذائقه من لذة العيش يحكي لمعة الآل لا تلعبن بك الدنيا وأنت ترى ما شئت من عِبر فيها وأمثال ما حيلة الموت إلا كل صالحة أو لا فما حيلة فيه لمحتال
وأجاد هنا فهو يقول:
ولسنا على حلو القضاء ومرّه نرى حكمًا فينا، من الله أعدلا
بلا خلقه بالخير والشر فتنة ليرغب فيما في يديه ويسألا
ولم يبغ إلا أن يبوء بفضله علينا، وإلا أن نتوب فيقبلا
هو الأحد القيوم من بعد خلقه وما زال في ديمومة الملك أولا
وماخلق الإنسان إلا لغاية ولم يترك الإنسان في الأرض مهملا
كفى عبرة أني وأنك يا أخي نصرف تصريفًا لطيفًا ونبتلى
توهمت قومًا قد خلوا فكأنهم بأجمعهم كانوا خيالًا تخيلا
لقد كان أقوام من الناس قبلنا يعافون من هن الحلال المحللا
أبى المرء إلا أن يطول إغتراره وتأبى به الحالات إلا تنقلا
إذا أمَّل الإنسان أمرًا فناله فما يبتغي فوق الذي كان أمّلا
وكم ذليل عزَّ من بعد مذلة وكم من رفيع صار في الأرض أسفلا
وكم من عظيم الشأن في قعر حفرةٍ تلحف فيها بالثرى وتسربلا
إذا اصطحب الأقوام كان أذلهم لأصحابه نفسًا أبرَّ وأفضلا
وما الفضل في أن يؤثر المرءُ نفسه ولكن فضل المرء أن يتفضلا.
وقال وهو من سديد الحكم الخفيفة:
لن تصلح الناس وأنت فاسدٌ هيهات ما أبعد ما تكابد
لكل ما يؤذي وان قلَّ ألم ما أطول الليل على من لم ينم
يغنيك عن قول القبيح تركه قد يوهن الرأي الأصيل شكه
المكر والخب أداة الغادر والكذب المحض سلاح الفاجر
وسدد وجدد وقدد وعدد إذ قال:
أذل الحرص والطمع الرقابا وقد يعفو الكريم إذا استرابا إذا اتضح الصواب فلا تدعه فإنك قلَّما ذقت الصوابا وان لكل تلخيص لوجهًا وان لكل مسألة جوابا وإن لكل حادثة لوقتًا وإن لكل ذي عمل حسابا وإن لكل مطلع لحدًَّا وان لكل ذي أجل كتابا
ونجح هنا إذ عصر مكنون التجربة بوابل صيِّب طيِّب إذ يقول:
من سالم الناس سلم من شاتم الناس شُتم من ظلم الناس أسا من رحم الناس رحم من طلب الفضل إلى غير ذوي الفضل حُرم من صدق الله علا من طلب العلم علم من خالف الرشد غوى من تبع الغي ندم من لزم الصمت نجا من قال بالخير غنم من عقَّ واكتفَّ زكا من جحد لحق أثم
وقال وهو مما جرى على الألسنة:
أما والله إن الظلم لؤم وما زال المسيءُ هو الظَّلوم إلى ديّان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم
وتسيد إذ شدا قال:
لكل شيء معدن وجوهر وأوسط وأصغر وأكبر وكل شيء لاحق بجوهره أصغره متصل بأكبره الخير والشر بها أزواج لذا نتاج ولذا نتاج
وقال:
ولقد مضى القرن الذين عهدتهم لسبيلهم ولتلحقن بمن مضى ولقل ما تبقى فكن متوقعًا ولقلما يصفو سرورك إن صفا وهي السبيل فخذ لنفسك عدة فكأن يومك عن قليل قد أتى إن الغنى لهو القنوع بعينه ما أبعد الطبع الحريص من الغنى لا تشغلنَّك لو وليت عن الذي أصبحت فيه لا لعلَّ ولا عسى خالف هواك إذا دعاك لريبة فلربَّ خير في مخالفة الهوى علم المحجة بيِّنٌ لمريده ورأي القلوب عن المحجة في عمى
هذا بعض ما قاله أبو العتاهية وقد اخترت من حفظي له على حال سفر ما بين المدينة والطائف من شهر 3/1422ه من يوم 27 منه ما بين العصر حتى قبيل أذان المغرب فكنت أصيد وأمسك ولم أكن بحمد الله مثل خراش ما يدري ما يصيد رحمه الله بل كنت أتفرد بالصيد من هنا وهناك انتقاءً وكلها ذات طمع ولمع وليست ذات همع وقمع جميلة سمينة كحيلة مهيبة.
وكم قد أجاد د. هاشم بن صالح بن مناع في كتيب له عن أبي العتاهية لكنه قصر هداه مولاه عن جلب الفريد العتيد العنيد وان كان أتى بصيد وفير نثير.
قال ابن لحيدان: وان السفر ليسفر عن القرائح بالروائح ذات الفوائح، وكم قد طاب لي حسن استقبال الأمير «مقرن» وسلامه على الأنجال الصغار بكل تودد ومضاحكة، ودخوله في مناقشة علمية ونفسية حتى لكأن مكتبه أصبح قاعة علمية جادة مجدة سادة قادة، وكان برفقتي سكرتير جيد لبق كريم هو: الأستاذ محمود الأشقر من مجموعة طيبة هادئة حسنة الصمت خاصة بعد إدراكهم رغبتي التامة لطول الصمت على كل حال.
وإذ أذكر هذا فلكأني بالأمير سلمان المسدد الذي ينزل الرجال منازلهم ويدرك أمورهم بعقل حاكم جليل وفي ذو بسط وعدل وتفقد حر كريم قريب قريب.
ولست أذكر أنني زرته إلا احتفى بصدق وجد، وما إن أجلس حتى أكون أنا المستفيد من هنا وهناك من قول وحكمة وتنبيه، فأدع السوارح للتاريخ تسجل عنه عدله وحكمته ووعده الحر الجليل.
ألا فسدد الله خطوات الناهضين الحريصين البررة، أعزَّهم الله بطاعته ورفعهم بتقواه، وجعلهم بشريعته هداة مهتدين.
القسم: التصنيف الرئيسي » الشيخ صالح اللحيدان
عدد القراء: 1410
تاريخ الموضوع: 23 - إبريل - 2003 ميلادية