كنوز السيرة للشيخ عثمان الخميس - 2
الشيخ عثمان الخميس
الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، (أي قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك، من الطعام والشراب وما شابه ذلك) ، ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها وهكذا حتى جاءه الحق، (والحق هنا يحتمل أن يكون جبريل ويحتمل أن يكون الأمر الحق أي وهو البعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) فقال: اقرأ ،فقال صلوات الله وسلامه عليه: ما أنا بقارئ، (أي لا أعرف القراءة وذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمّي لا يستطيع القراءة ولا يعرفها صلوات الله وسلامه عليه وقد أخبر الله تبارك وتعالى عنه في قوله الذين يتبعون الرسول النبي الأمي، وأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن نفسه فقال: إنّا أمّة أمّية لا نكتب ولا نحسب، رواه البخاري ومسلم) . فقال له: اقرأ ،فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطنّي (أي ضمّني ضمًّا شديدًا) حتى بلغ منّي الجهد (بفتح الجيم) (أي التعب) ثمّ أرسلني فقال: اقرأ قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطنّي الثانية حتى بلغ منّي الجهد ثمّ أرسلني فقال: اقرأ قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطنّي الثالثة ثمّ أرسلني فقال:"اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم". فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرجف فؤاده (أي من الخوف) صلوات الله وسلامه عليه. أمر غريب يأتيه الملك في هذا المكان الموحش المظلم في الليل ويضمّه هذا الضم الشديد فأوقع هذا في قلب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الخوف وهذا خوف فطري لا يضره شيئًا. فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: زملوني، زملوني، وذلك أن الخائف يشعر بالبرد والرعشة فيحتاج إلى أن يتلحّف ويتغطى حتى يذهب عنه ما يجد من الرجفة فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة بعد أن أخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي قالت خديجة: وهي المثبّتة وهي التي اختارها الله لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كلا والله ما يخزيك الله أبدًا. هذا الكلام من خديجة تبدأه بالنفي ثمّ بالقسم والله ما يخزيك الله أبدًا وتؤكده بقولها أبدًا كل هذا دليل على ثقة هذه المرأة بربها تبارك وتعالى ومعرفتها الحقّة بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم والسبب الذي من أجله بنت هذا الكلام هو ما ذكرته بعد ذلك. قالت: إنك لتصل الرحم وتحمل الكل، والكل هو الذي لا يستطيع أن يستقل بأمره (يعني يساعده) ، وتكسب (بضم التاء) المعدوم، (أي الذي ما عنده شيء تعطيه) ، وتقري الضيف، (أي تكرم الضيف) ، وتعين على نوائب الحق، (أي على مصائب الدنيا) ، كأنها تقول للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كانت هذه صفاته لا يمكن أن يقع الخزي من الله عليه أبدًا لأن هذه الصفات صفات كمال، ثمّ انطلقت به حتى أتت به ورقة بن نوفل وهو ابن عم لها وقيل هو عمها وكان قد تنصّر في الجاهلية، (يعني اتخذ النصرانية دينًا) ، وذلك أن قريشًا كانت على الشرك والوثنية، وكان هناك بعض النصارى وهم أقرب الناس إلى الحق في ذلك الوقت، قالت: وكان يكتب الكتاب العبراني، (يعني التوراة والإنجيل، وسميت اللغة باللغة العبرانية نسبة إلى عبورهم النهر) ، ما شاء الله أن يكتب وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزله الله على موسى (أي هذا الشيء هو الذي أنزله الله تبارك وتعالى على موسى صلوات الله وسلامه عليه) يا ليتني فيها جذعًا (أي شابًا قويًا) ، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، عندها استبعد الرسول أن يخرجه قومه وذلك أنه يرى أن قومه يحبونه حبًا شديدًا ولا يسمونه إلا الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه قال: أو (بفتح الواو) مخرجي هم؟ قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي. (وهذه قاعدة مهمة وأصل عظيم بنى عليه ورقة بن نوفل رأيه وذلك أن كل الأنبياء أوذوا وعودوا فمنهم من قتل ومن من طرد ومنهم من أوذي ومنهم من خوّف وهذا كثير) وأن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرا ثمّ لم ينشب ورقة أن توفي. وفتر الوحي بعد ذلك (أي انقطع الوحي) مدة طويلة. وهذه المدة قدرها أهل العلم بستة أشهر وقال بعضهم: إنها بلغت ثلاث سنين. وورقة بن نوفل رحمه الله تبارك وتعالى ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه بشره بالجنة أو أخبر أنه من أهل الجنة. ولكن هل كان صحابيًا؟ الصحيح أنه لم يكن صحابيًا وذلك أنه لم يدرك الرسالة لأنه مات بعد مبعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقبل تبليغه صلوات الله وسلامه عليه.
أنواع الوحي:
أنواع الوحي ستة كما قال أهل العلم:
أولًا: الرؤيا الصادقة، وهي كانت مبدأ الوحي للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يذكر.
ثانيًا: ما كان يلقيه الملك في روع النبي وقلبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كقوله صلوات الله وسلامه عليه إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب.
ثالثًا: أنه كان يتمثل الملك رجلًا فيخاطب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى يعي عنه كما في حديث جبريل لما جاء للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو بين أصحابه.
رابعًا: أنه كان يأتيه كمثل صلصلة الجرس وكان هذا أشده عليه حتى إن جبين الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليتفصّد عرقًا في اليوم الشديد البرد.
خامسًا: أن يرى الملك في صورته التي خلقه الله تبارك وتعالى عليها فيوحي إليه ما شاء.
سادسًا: ما يوحيه الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم مباشرة بدون واسطة ملك.
كيف وصل الشرك إلى مكة؟
كانت خزاعة هم ولاة البيت الحرام قبل قريش وكانوا يتوارثون الولاية على البيت كابرًا عن كابر واستمرت على ولاية البيت (أي خزاعة) ثلاثمائة سنة وقيل خمسمائة سنة وفي زمانهم جلبت الأوثان إلى مكة على يد زعيمهم عمرو بن لحي (بضم اللام) وكان قوله فيهم كالشرع المتبع لمكانته عندهم وكان عمرو بن لحي هذا قد خرج إلى الشام فرأى أهل الشام يعبدون الأصنام فقال: ما هذه الأصنام التي تعبدون قالوا: هذه أصنام نعبدها نستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا فقال: ألا تعطوني منها صنمًا أسير به إلى أرض العرب فيعبدونه فأعطوه صنمًا يقال له هبل فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته فأطاعوه قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار أي يجر أمعاءه في النار، رواه الإمام البخاري والإمام مسلم في صحيحيهما. وقد كانت العرب على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام ولكن لطول العهد نسوا كثيرًا من تفاصيل الشرع واستمر هذا الأمر وهو رئاسة خزاعة على البيت الحرام حتى قام قصي بن كلاب بالزواج من ابنة رئيس خزاعة ثمّ بعد ذلك استعان بالعرب على قتال خزاعة فهزمهم وأجلاهم عن مكة وتسلم قصي الرئاسة وقصي كما هو معلوم من قريش. وكان مما بقي عند العرب من العبادات التي كانت على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام الحج فكانوا يطوفون ويسعون ويقفون في عرفات ومزدلفة ويهدون البدن ولكنهم صاروا يقولون في تلبيتهم بعد بعد (بضم الباء وكسر الدال) العهد لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك ملكته وما ملك. قال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا سرّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام قال تعالى:"قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراءًا على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين"قال ابن كثير: من ذلك ما كانوا ابتدعوه من الشرائع الباطلة الفاسدة التي ظنها كبيرهم عمرو بن لحي قبحه الله مصلحة ورحمة بالدواب والبهائم وهو كاذب مفتر في ذلك ومع هذا الجهل والضلال اتبعه هؤلاء الجهلة الطغام قال الله تبارك وتعالى:"ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام"والبحيرة هي التي كانوا يبحرون أذنها أي يشقونها ويجعلون لبنها للطواغيت ويمنعون الناس منها، وأما السائبة فهي البعير يسيب فلا يحبس عن رعي ولا ماء ولا يركبه أحد ويكون للآلهة، وأما الوصيلة فهي الناقة إذا ولدت أنثى بعد أنثى فتكون لها وإن ولدت ذكرًا فهي للآلهة، وأما الحام فهو الفحل إذا انتج من ظهره عشرة ترك فلا يركب (بضم الياء) ولا يمنع (بضم الياء) من رعي، وتابعه أهل مكة على ذلك وزيادة، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تبارك وتعالى: بل قد تابعوه في ما هو أطمّ من ذلك وأعظم بكثير وهو عبادة الأوثان مع الله عز وجل وبدلوا ما كان الله بعث به إبراهيم خليله من الدين القويم والصراط المستقيم من توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له وتحريم الشرك وغيروا شعائر الحج ومعالم الدين بغير علم ولا برهان ولا دليل صحيح ولا ضعيف واتبعوا في ذلك من كان قبلهم من أمم المشركين. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت تعظمها كتعظيم الكعبة لها سدنة وهم الخدم وحجّاب يذبح لها ويطاف حولها ومع هذا كله يعرفون فضل الكعبة. أمّا تلك الآلهة فكانت لقريش العزى وهبل وكانت اللات لثقيف وكانت مناة للأوس والخزرج، وكان ذو الخلصة (بضم الخاء واللام) لدوس.
بدء الدعوة: