فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 316

بعد أن أوحي (بضم الألف) للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبشر (بضم الباء) صلوات الله وسلامه عليه وبعد انقطاع الوحي الفترة التي ذكرناها، عاد إليه مرة ثانية وصار صلوات الله وسلامه عليه يدعو المقربين إلى دين الله تبارك وتعالى فكان أول من اسلم مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من النساء خديجة ومن الموالي زيد بن حارثة ومن الغلمان علي بن أبي طالب ومن الرجال الأحرار أبو بكر الصديق ومن العبيد بلال بن رباح. جاء في صحيح البخاري من حديث همّام بن الحارث عن عمّار بن ياسر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر وأسلم على يدي أبي بكر الصديق الزبير بن العوام وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي الوقاص وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تبارك وتعالى عنهم أجمعين. وجاء كذلك في صحيح مسلم حديث أبي أمامة عن عمرو بن عبسة السلمي رضي الله تبارك وتعالى عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أول ما بعث وهو في مكة وهو حينئذ مستخف فقلت: ما أنت قال: أنا نبي قلت: وما النبي قال: رسول الله قلت: آ الله أرسلك قال: نعم قلت: بم أرسلك قال: بأن تعبد الله وحده لا شريك له وتكسر الأصنام وتصل الأرحام قال: قلت: نعم (بكسر النون) ما أرسلك به فمن اتبعك على هذا قال: حر وعبد يعني أبا بكر وبلالًا قال: فكان عمرو بعد ذلك يقول: لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام قال: فأسلمت قلت: فأتبعك يا رسول الله قال: لا ولكن الحق بقومك فإذا أخبرت أني قد خرجت فاتبعني. وروى أبو داود الطيالسي عن ابن مسعود رضي الله تبارك وتعالى عنه قال: كنت غلامًا يافعًا أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط بمكة فأتى عليّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبو بكر وقد فرا من المشركين فقالا: عندك يا غلام لبن تسقينا قلت إني مؤتمن ولست بساقيكما فقال: هل عندك من جذعه (بفتح الجيم والذال) لم ينز عليها الفحل بعد (أي لم يجامعها الفحل) بعد قلت نعم فأتيتهما بها (يعني ائتنا بجذعه ليس فيها لبن) فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الضرع ودعا فحفل الضرع وأتاه أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها ثمّ شرب هو وأبو بكر ثمّ سقياني ثمّ قال: للضرع أقلص فقلص (أي رجع) كما كان فلما كان بعد أتيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقلت علمني من هذا القول الطيب (يعني القرآن) فقال: إنك غلام معلّم (بفتح اللام) فأخذت من فيه (أي من فمه) سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد.

إسلام أبي ذر الغفاري:

وكذلك ممن أسلم في أول الأمر أبو ذر الغفاري وقصته كما يأتي: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذر الغفاري قال: خرجنا من قومنا غفار وهم يحلون (بضم الياء) الشهر الحرام وخرجت أنا وأخي أنيس (بضم الألف وفتح النون) وأمنا فنزلنا على خال لنا فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا فحسدنا قومه فقالوا: إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس (يعني أنه يخونه في أهله) فجاء خالنا فنثى علينا الذي قيل له (يعني قال لنا وذكر لنا ما قيل له) فقلت له: أما ما مضى من معروفك فقد كدرته (أي بتصديقك هذه الأخبار) ولا جماع لك فيما بعد فقربنا صرمتنا (بكسر الصاد) (أي ناقتنا) فاحتملنا عليها فتركنا خالنا وسرنا فتغطى خالنا ثوبه فجعل يبكي فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة (أي قريبًا من مكة) فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها فأتيا الكاهنة فخيّر أنيسًا فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها (يعني أن أنيسًا كان شاعرًا فجاء إلى قريب من مكة ففاخر الناس بالشعر ثمّ احتكموا على ناقة مقابل ناقة ثمّ احتكموا إلى الكاهن فحكم لأنيس أنه أشعر فأخذ الصرمة الثانية أي الناقة الثانية) قال أبو ذر للراوي عنه عبدالله بن الصامت: وقد صليت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بثلاث سنين قلت (يعني عبدالله بن الصامت) لمن؟ قلت: لله. قلت: فأين توجهت؟ (أي إلى أي قبلة) قلت: أتوجه حيث يوجهني ربي أصلي عشاءًا حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء حتى تعلوني الشمس (يعني كأني كساء أو ثوب من ضعفي وتعبي سقطت ونمت لا حركة في) ، قال أبو ذر: فقال لنا أخي أنيس: إن لي حاجة بمكة فاكفني (أي ابق) مع أمي حتى اذهب وأرجع فانطلق أنيس حتى أتى مكة فراث علي (أي تأخر) ثمّ جاء فقلت ما صنعت قال: لقيت بمكة رجلًا على دينك يزعم أن الله أرسله قال أبو ذر: فقلت: فما يقول الناس قال: يقولون شاعر كاهن ساحر وكان أنيس أحد الشعراء قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر (أي على أنواع الشعر وأوزانه) فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر (أي ليس بشعر) والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون قال أبو ذر: قلت لأنيس: فاكفني حتى أذهب فأنظر فأتيت مكة فتضعّفت رجلًا منهم (أي ذهبت إلى رجل أرى إنه ضعيف فيهم) فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصابئ (يعني النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) فأشار إليّ وقال: الصابئ، الصابئ (يعني يشير عليّ بأني أنا الصابئ) فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم، (المدرة هي حجارة من الطين) ، حتى خررت مغشيًا عليّ من الضرب فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر، (أي عندما وعيت من هذا الضرب وقفت كأني علامة حمراء من كثرة الدماء التي على جسدي) فأتيت زمزم فغسلت عني الدماء وشربت من مائها ولقد لبثت يا ابن أخي (يقول لعبد الله بن الصامت) ثلاثين بين ليلة ويوم ما كان لي طعام إلا ماء زمزم (ما كانوا يطعمونه لأنهم يتهمونه بأنه صابئ) ، فسمنت حتى تكسرت عكن (بضم العين وفتح الكاف) بطني (يعني لحم البطن صار على بعضه) ، وما وجدت على كبدي سخفة (بضم السين) جوع (أي ما شعرت بالضعف بسبب الجوع لأنه جلس شهرًا كاملًا ما يشرب إلا ماء زمزم) ، فبينا أهل مكة في ليلة قمراء أضحيان (يعني مضيئة) إذ ضرب (بضم الضاد) على أصمختهم (أي آذانهم) ، فما يطوف بالبيت أحد (يعني الناس كلهم نيام) و امرأتين تدعوان إسافًا ونائلة (أي رأيت امرأتان تدعوان إسافًا ونائلة) ، (وإساف صنم وكذلك نائلة) ، فأتتا عليّ وهما في طوافهما فقلت أنكحا أحدهما الآخر (يعني يستهزأ بآلهتهما) فما تناهتا عن قولهما ثمّ انطلقتا تولولان وتقولان لو كان هاهنا أحد من أنفارنا (أي لو كان أحد هنا يقوم فيدافع عنّا) فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبو بكر وهما هابطان قال: ما لكما؟ قالتا الصابئ بين الكعبة وأستارها قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ما قال لكما؟ قالا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم (أي عظيمة) فجاء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى استلم الحجر وطاف بالبيت هو وصاحبه ثمّ صلى فلما قضى صلاته صلوات الله وسلامه عليه فكنت أنا أول من حياه بتحية الإسلام فقلت له السلام عليك يا رسول الله فقال: وعليك ورحمة الله ثمّ قال: من أنت؟ قلت من غفار قال فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته فقلت: في نفسي كره أن انتميت إلى غفار فذهبت آخذ بيده (أي أرفع يده) عن جبهته فقدعني صاحبه (أي منعني ودفعني صاحبه) وكان أعلم به مني ثمّ رفع رأسه (أي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) ثمّ قال: متى كنت هاهنا؟ قلت قد كنت هاهنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم قال: فمن كان يطعمك؟ قلت ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن (بضم العين وفتح الكاف) بطني وما أجد على كبدي سخفة (يضم السين) جوع فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إنها مباركة إنها طعام طعم (بضم الطاء) فقال أبو بكر: يا رسول الله ائذن لي في إطعامه الليلة فانطلق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبو بكر وانطلقت معهما ففتح أبو بكر بابًا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف (والزبيب هو العنب) وكان ذلك أول طعام أكلته بها ثمّ غبرت (بفتح الغين والباء وتسكين الراء) (أي بقيت ما بقيت) ثمّ أتيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: إني قد وجهت لي أرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب (أي أني أسافر إلى يثرب) أهاجر إليها صلوات الله وسلامه عليه فهل أنت مبلّغ عني قومك؟ عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم فأتيت أنيسًا فقال لي: ما صنعت قلت صنعت أني قد أسلمت وصدقت قال: ما بي رغبة عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت فأتيت أمنا فقالت: ما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت وصدقت فاحتملنا (أي ارتحلنا) حتى أتينا قومنا غفارا فأسلم نصفهم وكان يؤمهم إماء بن رحضة الغفاري وكان سيدهم وقال: نصفهم إذا قدم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة أسلمنا فقدم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة فأسلم نصفهم الباقي (أي أسلمت غفار) كلّها يقول وجاءت أسلم (أي قبيلة أسلم) فقالوا: يا رسول الله إخوتنا نسلم على الذي أسلموا عليه فأسلموا فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله.

القسم: التصنيف الرئيسي » الشيخ عثمان الخميس

عدد القراء: 2110

تاريخ الموضوع: 01 - نوفمبر - 2002 ميلادية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت