فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 316

وذهبت طائفة من أهل العلم إلى جواز المشي في المقبرة بالنعال،منهم النسائي وابن حزم - رحمهما الله -، لحديث أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه صاحبه وإنه ليسمع قرع نعالهم"، وقال بعض أهل العلم:بأن النعال السبتية خاصة بأهل الفخر والفخر.

قلت:وهذا القول ليس بجيد،فأما استدلالهم بأن الميت يسمع قرع نعال المشيعين فهذا دلالة مفهوم،بينما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لصاحب السبتيتين [ان ينزعهما دلالة منطوق،والمنطوق يقدم على المفهوم،أما كون النعال السبتية خاصة لأهل الفخر فهذا القول كذلك ضعيف،إذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبت عنه لبسها،فعن عبد الله بن جريج أنه قال لعبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -:"رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا من أصحابك يصنعها قال:ما هي يا ابن جريج؟...وفيه:"رأيتك تلبس النعال السبتية فقال:أما النعال السبتية فإني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبس النعال السبتية التي فيها شعر ويتوضأ فيها فأنا أحب أن ألبسها""

عاشرًا: من أزال نعلًا من موضع ووضعه بموضع آخر ضمنه إن فقد:

يجب على المرء إن دخل مسجدًا ووجد نعلًا قد وُضِعت في مكان ما ثم أزال هذه النعل ووضع نعله مكانها أن يضمن النعل،لأنه لا يحق له إزاحتها ولكنه إن فعل فيجب عليه أن لا يضيع حقوق الآخرين،وأن يحفظها أو يضعها في مكان آمن،قال العلامة الوزاني المالكي - رحمه الله -:"من أزال نعلًا من موضع ووضعه بآخر ضمنه،لأنه لما نقله وجب عليه حفظه"

الحادي عشر: النهي عن المشي في نعل واحدة إذا انقطعت إحداهما:

نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المشي في نعل واحدة إذا انقطعت إحداهما حتى يصلحها،وقد أجمع العلماء على أن النهي للكراهة وليس للتحريم،فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا انقطع شِسْعُ أحدكم فلا يمش في الأخرى حتى يصلحها"،قال النووي - رحمه الله -:"وسببه أن ذلك تشويه ومثلة ومخالف للوقار،ولأن المنتعلة تصير أرفع من الأخرى فيعسر مشيه وربما كان سببًا للعثار".

قلت: قوله - صلى الله عليه وسلم -:"لا يمش"فهم منه بعض أهل العلم جواز الوقوف بنعل واحدة إذا عرض للنعل ما يحتاج إلى صلاحها،فنقل القاضي عياض عن الإمام مالك أنه قال:"يخلع الأخرى ويقف إذا كان في أرض حارة أو نحوها،مما يضر فيه المشي حتى يصلحها أو يمشي حافيًا إن لم يكن ذلك"قال ابن عبد البر:هذا هو الصحيح في الفتوى والأثر، وعليه العلماء""

قلت: ويكره كذلك المشي في نعلين مختلفين ذكره ابن مفلح في كتابه الآداب الشرعية .

فائدة: النهي عن المشي في نعل واحدة قد يدخل فيه كل لباس شفع،كإخراج اليد الواحدة من الكم دون الأخرى،كمن يلبس عباءة أو ما يسمى عند أهل الخليج"البشت"،فيخرج يده من الكم دون الأخرى،وينبغي على المرء ألا يفعل ذلك تركًا للشهرة وعدلًا بين الجوارح،قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله:"قد يدخل في هذا كل لباس شفع كالخفين،وإخراج اليد الواحدة من الكم دون الأخرى،وللتردي على أحد المنكبين دون الآخر،قاله الخطابي"

الثاني عشر: النهي عن الانتعال قائمًا إذا كان في لبسها تعب أو مشقة:

أخرج أبو داود في سننه من حديث جابر قال:"نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينتعل الرجل قائمًا"

قال الخطابي:"إنما نهى عن لبس النعل قائمًا لأن لبسها قاعدًا أسهل عليه وأمكن له،وربما كان ذلك سببًا لانقلابه إذا لبسها قائمًا،فأمر بالقعود له والاستعانة باليد فيه ليأمن غائلته"

قال المناوي:"والأمر للإرشاد لأن لبسها قاعدًا أسهل وأمكن،ومنه أخذ الطيبي وغيره تخصيص النهي بما في لبسه قائمًا تعب"

الثالث عشر: عدم جواز وضع المصحف على النعل حتى لو كان نظيفًا لم يلبس:

يجب على المرء أن يحترم كتاب الله جل وعلا،فهذا الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإن من احترام القرآن حفظه وتلاوة آياته،وتدبره وفهم معانيه،وصيانته من الامتهان وعدم الاحترام .

وقد نص بعض أهل العلم على أن من امتهان المصحف وعدم احترامه،وضعه على نعل نظيف حتى لو لم يلبس،وقد نقل الوزاني في نوازله عن الشافعية قولهم بأنه:"لا يجوز وضع مصحف على نعل نظيف لم يلبس،لأن به نوع استهانة وقلة احترام"

الرابع عشر: جواز لبس المؤذن النعال أثناء الأذان:

سئل العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - عن قيام أحد المؤذنين بالأذان والنعال في قدميه،خاصة وأنه قد اعترض كثير من الإخوان لما رأوا المؤذن يؤذن وهو منتعل،فأجاب - رحمه الله -:"لا مانع من لبس النعال وقت الأذان،وحتى في الصلاة،لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -"صلى في نعليه"،غير أنه ينبغي على المؤذن والمصلي أن يتأكد قبل دخول المسجد من طهارة نعليه،وطهارتها كما هو معلوم دلكها بالأرض،وأما الذين اعترضوا فلا علم لديهم،ولا يجوز لهم الخوض فيما لا علم لهم به"

النعال المحرمة والتي لا يجوز لبسها:

يكون لبس النعل محرما في صور وأنواع متعددة والتي من أهمها ما يلي:

· أ: إذا قصد بلبسها الكبر:

الكبر صفة كمال لله جل وعلا،فلا يجوز لأحد من الخلق أن ينازع الله في صفاته،فقد أخرج مسلم في صحيحه عن رب العزة جل وعلا قال:"الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار"،وتوعد الله المتكبرين بصنوف من العذاب في الدنيا والآخرة،فقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه،مرجل جمته،إذ خسف الله به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة"

قلت:النعل أو الثوب الحسن نفيس أو غير نفيس لا يعد من الكبر الذي تُوعد صاحبه،والذم يقع على من كان في قلبه الكبر، والعجب بالنفس والهيئة والبطر،قال ابن حجر - رحمه الله:"والذي يجتمع من الأدلة أن من قصد بالملبوس الحسن إظهار نعمة الله عليه مستحضرًا لها شاكرا عليها غير محتقر لمن ليس له مثله،لا يضره ما لبس من المباحات ولو كان في غاية النفاسة،ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود:"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر،فقال رجل:إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة فقال:إن الله جميل يحب الجمال،الكبر بطر الحق وغمط الناس""

· ب: إذا كان في لبسها شهرة:

يحرم لباس النعل لقصد الاشتهار ولمخالفته الناس وليشار إليه بالبنان،فقد تسابق الناس في هذا الزمان إلى لبس النعل والملابس النفيسة بقصد لفت أنظار الناس إليهم،واشتهارهم بينهم مع الكبر والترفع عليهم،جاهلين أو متجاهلين قوله - صلى الله عليه وسلم:"من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة"

قال ابن الأثير:"الشهرة ظهور الشيء والمراد أن ثوبه يشتهر بين الناس لمخالفة لونه لألوان ثيابهم فيرفع إليه أبصارهم،ويختال عليهم بالعجب والتكبر"

وقال الشوكاني في النيل:"إذا كان اللبس لقصد الاشتهار في الناس فلا فرق بين رفيع الثياب ووضيعها والموافق لملبوس الناس والمخالف،لأن التحريم يدور مع الاشتهار،والمعتبر القصد وإن لم يطابق الواقع"

وثوب الشهرة قد يكون بالوضيع من الثياب أو النعال،كمن يلبس رديء الثياب والنعل ليعتقد الناس فيه الزهد والورع،قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله:"وتكره الشهرة من الثياب، وهو المترفع الخارج عن العادة،والمنخفض الخارج عن العادة،فإن السلف يكرهون الشهرتين،المترفع والمتخفض،وفي الحديث"من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة"وخيار الأمور أواسطها"

· ج: إذا كانت النعل مصنوعة من جلود السباع فلبسها محرم:

إذا كانت النعل من جلود السباع أو كان فيها شيء من جلود السباع فيحرم لبسها على الذكور والإناث،لحديث خالد قال وفد المقدام بن معدي كرب على معاوية،فقال:أنشدك بالله هل تعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"نهى عن لبوس جلود السباع والركوب عليها قال:نعم"،ولحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا تصحب الملائكة رُفقةً فيها جلد نمر"

قال القاضي من الحنابلة:"لا يجوز الانتفاع بجلود السباع لا قبل الدبغ ولا بعده،وبذلك قال الأوزاعي ويزيد بن هارون وابن المبارك وإسحاق وأبو ثور"

قال الإمام الترمذي في جامعه:"وكره بعض أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم جلود السباع،وشددوا في لبسها والصلاة فيها،ثم قال الترمذي:وكره ابن المبارك وأحمد وإسحاق والحميدي الصلاة في جلود السباع"

قلت:ولا يفهم من قولهم الكراهة نفي التحريم،فإن المتقدمين إذا أطلقوا لفظ الكراهة فإنما يعنون في الغالب التحريم،قال ابن القيم - رحمه الله:"وقد غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك،حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم،وأطلقوا لفظ الكراهة،فنفى المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة الكراهة،...ثم قال ابن القيم:"وقال أبو القاسم الخرقي فيما نقله عن أبي عبد الله:ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة،ومذهبه لا يجوز""

وقد اختلف أهل العلم في ذكر الحكمة من النهي،فذهب بعضهم إلى أن النهي بسبب ما يقع على هذه الحيوانات من الشعر،لأن الدباغ لا يؤثر فيه،وقال بعضهم:يحتمل أن النهي لأجل أنها مراكب أهل السرف والخيلاء،وعلى المسلم أن يتقي ربه وأن يدع ما يريبه إلى ما لا يريبه وفي المباح والحلال مندوحة عن ارتكاب المعاصي،ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.

· د: أن يكون فيها الذهب أوالحرير:

يحرم لباس النعل على الرجال إن كان فيها ذهب أو حرير،فقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه:"أخذ حريرًا فجعله في يمينه وأخذ ذهبًا فجعله في شماله ثم قال:إن هذين حرام على ذكور أمتي"

· هـ يحرم لباس النعل التي فيها ضرر على الإنسان:

يحرم لبس النعل التي فيها ضرر على النفس،كالكعب العالي،وقد سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عن حكم لبس الكعب العالي،فأجابت بأن:"لبس الكعب العالي لا يجوز لأنه يعرض المرأة للسقوط،والإنسان مأمور شرعًا بتجنب الأخطار،بمثل قوله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} وقوله {ولا تقتلوا أنفسكم} ،كما أنه يظهر قامة المرأة وعجيزتها بأكثر مما هي عليه،وفي هذا تدليس وإبداء لبعض الزينة التي نهيت عن إبدائها المرأة المؤمنة بقول الله عز وجل {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن } "

· و: لبس الرجال نعل النساء ولبس النساء نعل الرجال:

يحرم على النساء التشبه بالرجال،ويحرم على الرجال التشبه بالنساء،فلا يجوز للرجال لبس النعال الخاصة بالنساء،ويحرم على النساء أن يلبسن النعال الخاصة بالرجال،ومن فعل ذلك فقد ارتكب كبيرة من الكبائر،فقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فعل ذلك،كما قال أبو هريرة - رضي الله عنه:"لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل"

أخطاء شائعة لدى بعض الناس:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت