الحكمة الثالثة: إنه في البداية قال تعالى:"إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين". فإذا تتلى عليه الآيات قال لا أريد أن أؤمن ولا أريد أن أصدق فأصدق من أصدقك أنت ما هي إلا أساطير الأولين، كما قال سهيل ابن عمرو عندما وقَّع معه النبي صلى الله عليه وسلم كتب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا العقد:"هذا ما عاهد عليه محمد بن عبد الله رسول الله سهيل بن عمرو". قال سهيل: ماذا؟ رسول الله، امح رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لِمَ؟ قال: والله لو نعلم إنك لرسول الله لآمنّا بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: امح رسول الله وإن كنت أنا رسول الله. فقال هذا الكافر: لو نعلم إنك رسول من عند الله تبارك وتعالى صدقناك ولكنه في الحقيقة أساطير الأولين، فهو يعتذر ظاهرًا بهذه الأعذار يقول: إنها بسبب أساطير الأولين، ولو علمت أن القرآن من عند الله لآمنت بك. فهل هو الأمر كذلك فعلًا؟ هل هو بسبب إنه لم يتضح له الأمر ولم تتضح له الحقيقة ولم يتبين له أن النبي صلى الله عليه وسلم هو من عند الله؟ لا. بل هو تبين له. فالله عز وجل يعلم ما في قلبه لكنه هو الذي أخفى ما في قلبه. فعندما أخفى هو ما في قلبه فأظهر بعض الأمور، قال: ما هي إلا أساطير الأولين. فالله عز وجل يحب الستر، ولا يحب أن يفضح الناس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الإمام أحمد، وأبي داود والنسائي والألباني يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل حليم حييّ ستِّير يحب الحياء والستر فإذا اغتسل أحدكم فليستتر. فالله عز وجل يحب أن يستر على الناس ولا يحب أن يخرج ما في قلوب الناس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مسلم:"كل أمتي معافاة إلا المجاهرين". وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عملا ثم يصبح قد ستره الله عز وجل به فيقول: يا فلان، (يذهب هذا الإنسان الذي أذنب في الليل وقد ستره الله عز وجل، وفي الصباح يقول قد عملت كذا وكذا ويفخر بذلك ويفضح نفسه ويكشف سِتْر ربه له) وقد بات يستره ربه تبارك وتعالى. الله عز وجل لا يحب أن يفضح الناس، فيحب الله عز وجل ما هو مكنون يجعله مكنونا، لذلك إذا ما أذنب العبد فاستتر يقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا ما اقترف أحدكم شيئًا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله فإن أظهر لنا صفحته أقمنا عليه الحد. لذلك يؤتى بالعبد يوم القيامة، فالله عز وجل يضع عليه كنفه (أي يغطيه ويستره على الناس) ويقول له: قد فعلت وفعلت وفعلت ألي كذلك؟ فيقول العبد: نعم. فيقول الله عز وجل: قد سترتها عليك بالدنيا وأنا أسترها لك هنا يوم القيامة. فالله لا يحب أن يفضح الناس ولا أن يخرج ما في قلوبهم. فهذا الكافر عندما قال:"إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين"، فأظهر إنما هي إلا أكاذيب فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فزعم إنما هي من عند الله، وأنها قد نزلت إليه. فقلبه قد تيقن إنه رسول من عند الله. فالله عز وجل لا يحب أن يفضحه ولكن الله لابد أن يظهر ذلك لمصلحة أعظم. فهو يقول:"إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين & كلا بلْ (لا أحب أن أفضحه ولا أحب أن أذكر ما في قلبه ولكنه لابد) رانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون"فالسيئات والذنوب هي التي أطبقت على القلب وهي التي جعلته يكفر. فهو يعلم هو رسول من عند الله تبارك وتعالى ففضحه الله عز وجل.
من بلاغة كتاب الله عز وجل أن النبي صلى الله عليه وسلم هذه الوقفة في هذا الموضع من عند الله تبارك وتعالى، علمها النبي صلى الله عليه وسلم وقرأها هكذا ليشير إلى مثل هذه الإشارات العظيمة. قصد في اللفظ مع وفاء بالمعنى.
الوقفة الثانية:
قال تعالى:"وقيل منْ (ثم يسكت القارئ سكتة خفيفة ثم يقرأ) راق". الله عز وجل في هذه السورة (سورة القيامة) ذكر فيها آيات عظيمات،"كلا إذا بلغت التراقِي & وقيل منْ (ثم يسكت القارئ سكتة خفيفة ثم يقرأ) راق & وظنّ أنه الفراق". كل إنسان متواجد عند المحتضر يحاول أن يعينه، الذي تكاد أن تخرج روحه.:"وقيل منْ (سكت النبي صلى الله عليه وسلم سكتة خفيفة ثم قرأ) راق & وظنّ أنه الفراق"، غلب على ظنه قد انتهى الأمر وأن الروح في طريقها إلى الخروج فلا شفاء بعد هذه اللحظة. قال تعالى:"والتفت الساق بالساق"فتلتف الساق بالساق بالكفن. قال تعالى:"إلى ربك يومئذ المساق"ساقوه في القبر، حتى بعد ذلك يساق إلى الله عز وجل يوم القيامة.
الحكمة الأولى: إن الحكمة من الوقفة هنا أن الإنسان عندما كان عند إنسان محتضر وأحب الناس إليه هذا المحتضر، يحاول أن ينقذه بمثل هذا الموضع، ويبحث عن السبيل لعل الحياة أو الروح ترجع إليه، كما يحاول أن يجد من يقرأ عليه لعل الله يشفيه من هذا المرض، فعندما يقول"من"يبحث فيقال له: ماذا تريد؟ من ماذا؟ فالبال قد انشغل عن الكلمات. فالإنسان عندما يكون في وضع معين ويكون باله قد انشغل في أمر ما فعندما يقول: افعل فأنت تتساءل ماذا أفعل وهو يكرر ذلك وباله مشغول فعقله ليس مع الكلمات. فكذلك المحتضر يقول: من، وأنت تسأله: ماذا من؟ من راق، ما الذي يرقيه؟ فكأن البال انشغل عن الكلمات لهول هذا الأمر، ولعظم هذا الأمر ترى الروح تخرج أمامك ولا تستطيع أن تفعل شيئًا. فالسكتة هنا إشارة لهول هذه الحادثة ولهول هذا المطلع ولهول هذا الموقف.
الحكمة الثانية: الإنسان في مثل هذا الموقف ربما باله ينشغل وربما يتلعثم وباله يبحث عن الكلمات. فعندما تُخاطب من قِبَل رجل عظيم أو رجل له مكانه فربما تتلعثم بالكلمات، فيقول لك: كذا ، فأنت عندك الجواب ولكنك تتلعثم فتريد أن تبحث عن الكلمة ولكنك لا تجدها، فالبال منشغل بالموقف وبالكلمة أيضًا. فهو يقول:"وقيل من"يريد أن يخرج"راق"فلا تخرج فبعد فترة تخرج، فربما لانشغال البال وربما إنه متلعثم لعظم هذا الأمر.
الحكمة الثالثة: اختلاط الأمور عليه،"وقيل من"يريد أن يبحث عن قارئ يقرأ عنه، يريد أن يبحث عن الدواء، يريد أن يحتضنه يريد أن يقبله ويريد أن يقول له كلمات ويريد أن يأخذ منه وصية ويريد كذا ويريد كذا، في لحظة واحدة يريد أن يجمع كل هذه الأمور. ففي لحظة واحدة يفعل نصف الأفعال لأنه لا يستطيع أن يقوم بجميع هذه الأفعال في نفس اللحظة أو في لحظة واحدة. فكلما ذهب إلى نصف الطريق غيّر رأيه إلى أمر آخر لهول هذا الأمر، يريد الرجل أبحث عن رجل يقرأ عليه، فهو لا يريد، أقدم له الدواء لا يريد، أطلب منه الوصية لا يريد أحتضنه لا يريد أقبله لا يريد، فلا يستطيع أن يفعل شيئًا وذلك لعظم هذا الأمر ولهول هذا الموقف والحدث. لذلك نقف مثل هذه الوقفة"وقيل منْ (سكت النبي صلى الله عليه وسلم سكتة خفيفة ثم قرأ) راق". إذًا ربما هو قد انشغل باله عن الكلمات ربما لعظم هذا الأمر وزيادة على ذلك تلعثم وزيادة على ذلك من شدة هذا الأمر لا يعلم ماذا يفعل؟ هل يبحث له عن قارئ؟ وفي منتصف الطريق يحاول أن يغير رأيه.
الحكمة الرابعة: أو الإشارة الرابعة وهو أنه يرى الروح تخرج ولا يستطيع أن يفعل شيئًا، ربما يسلك آخر السبل"وقيل منْ"يبحث عن القارئ، لا يستطيع أن يكمل لأن الروح تخرج، يقول:"وقيل منْ"ثم يجهش بالبكاء لا يستطيع أن يخرج الكلمات، وبعد ذلك قال:"راق"هل من راق له؟ فلا يستطيع أن يكمل هذه الكلمات لأنه يرى أحب الناس إليه يحتضر أمامه. لذلك الله عز وجل لم يقل: وقال لألا يُفْهم من ذلك أنه رجل واحد وما يتصرف هذا التصرف بل ربما مجموعة من الرجال أو من النساء، فقيل يُفهم منها ربما رجل ربما جموع من النساء والرجال والأطفال.
وقفة واحدة"وقيل من"تفهم أن الأمر عظيم وأن الخَطْبَ جلل لا تستطيع أن تتكلم، تتلعثم بالكلمات والبال منشغل تجهش بالبكاء، لا تعلم ماذا تفعل؟ هل تفعل هذا؟ أم تفعل ذاك؟ لعظم هذا الأمر لذلك الله عز وجل في هذه السورة بيّن عظم هذا الأمر، وأن الأمر عظيم، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم وقيل منْ (ثم سكت النبي صلى الله عليه وسلم سكتة خفيفة ثم قرأ) راق، فهذه الإشارة تحمل كل هذه المعاني بل ربما تزيد على هذه الحكم.
الوقفة الثالثة:
السكتة اللطيفة في كتاب الله تعالى في سورة الحاقة أن الكافر يقول:"ما أغنى عني ماليه & هلك عنّي سلطانية &"وقف النبي صلى الله عليه وسلم:"ما أغنى عني ماليه (ثم سكت النبي صلى الله عليه وسلم سكتة غير طبيعية ثم قرأ) هلك عنّي سلطانية".