الحكمة الأولى: أو الإشارة الأولى، هذه الآية تتكلم عن يوم القيامة فالآية السابقة تتكلم عن الموت، والتي قبلها تتكلم عن ما في القلب عند قدوم الناس إلى الله عز وجل. هذه الآية تقف فيها عندما تقرأ:"ما أغنى عني ماليه & هلك عنّي سلطانية &"، ولكي تُفهم هذه الآية يجب أن تقرأ سورة الحاقة من البداية، إلى أن نصل إلى الآية"إذا نفخ في الصور نفخة واحدة (أي عند قيام الساعة قبل البعث فهذه نفخة الصعقة) & وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة & فيومئذ وقعت الواقعة & وانشقت السماء فهي يومئذ واهية & والمَلَكُ على أرجائها ( لِمَ؟ لكي يأتي الله عز وجل يوم القيامة للفصل بين الناس، هذا الموقف العصيب وهو موقف الحساب، فعندما تنفخ النفخة الأولى يصعق الناس بأجمعهم ثم تنفخ نفخة ثانية وهي نفخة الفزعة أي قيام من القبور كأنهم جراد منتشر يقومون حفاة عراة غرلا(أي مختونين) ثم بعد ذلك نفخة ثالثة تجمع الناس إلى أرض المحشر كل العالم يحضر من جن وإنس فالناس تصفهم الملائكة، وكذلك الرسل يصفون صفوفا، وكذلك الملائكة كل مجموعة تصف مع أشكالها وأصنافها الزناة مع الزناة والظلمة مع الظلمة والسرّاق مع السرّاق والعصاة مع العصاة والمؤمنين مع المؤمنين الكل يصف مع أمثاله فالمرء مع من أحب من مؤمن أو كافر ثم يجاء بجهنم لها سبعون ألف زمام يحمل كل زمام سبعون ألف مَلَك لعظم جهنم فلها شهيق وزفير كأنها تنادي الناس، فعندها توضع الموازين تُنشر الصحف، فتطيش الصحف من كثرتها ثم يجاء بعد ذلك بالعرش) ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية (ثم يجيء الله بعد ذلك للفصل بين الناس، ويجيء في ظلل من الغمام(أي السحاب الأبيض الرقيق كأنها بشارة من عند الله عز وجل على قدومه) وتجيء الملائكة لتخبر بقدوم الله عز وجل هذا أمر عظيم والخطب جلل، فالناس من شدة الموقف والرعب يجثون على ركبهم خضوعًا لله تبارك وتعالى، فالملائكة يحفون من حول العرش والرسل يقولون: اللهم سلّم، سلّم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ثم يجاء من بين الناس يدفع دفعًا ليحاسبه الله عز وجل) & يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية & فأمّا من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه & إني ظننت أني ملاق حسابيه… إلى قوله"وأما من أوتي كتابه بشماله (يعطى كتابه لأنه فاجر فيعطى بشماله من خلف ظهره فيقال له: ألم تفعل كذا ؟ ألم تفعل كذا؟ فيقول: لا يا ربي ما فعلت، يكذب على الله فتشهد عليه الملائكة فلا يصدقها وفي الصحيفة أنه فعل وفعل فيكذبها أيضا والأرض تشهد عليه فلا يصدقها فيقول: لا أقبل إلا من نفسي، فالله سبحانه وتعالى يقفل على فيه وتكلمنا أيديهم تشهد عليه أرجلهم، فيأخذ كتابه أمام العالم يُفضح والأبصار كلها شاخصة إليه، يعلن على رؤوس الأشهاد فلان ابن فلان في نار جهنم خالدا مخلدا فيها) فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه & ولم أدر ما حسابية (رعب الآن قلبه متطاير كله رعب وخوف فالنتيجة قد أتت في نار جهنم وكله رعب ماذا سيفعل به في النار وقد فُضِح وافتضح) & يا ليتها كانت القاضية & ما أغنى غني ماليه (لشدة هذا الأمر والكلام الذي يخرجه، والتعب والنصب الذي يشعر به بعد هذا الحساب وبعد هذا التقرير بين يدي العظيم الجبار وصاحب الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة من ذلت له القياصرة والأكاسرة وخنعت له في مثل هذا الموقف لا تسمع إلا همسا، فبعد هذا كله ينتهي النفس فيريد أن يستعيد نفسه فتوقف لحظة لعله يستعيدها) & هلك عنّي سلطانية &"."
الحكمة الثانية: أو الإشارة الثانية، فهو الإنسان عندما يتعلق بأحب المخلوقات إليه سواء من مال أو من امرأة أو من رجل أو من ولد أو من دنيا أو من تجارة أو من بيت عندما يتعلق هذا التعلق الشديد لهذه المخلوقات ثم يرى يوم القيامة بأن هذه هي سبب هلاكه، فيتوقف لأنه في هذه اللحظة تجتمع عنده كل هذه الحوادث من معاصي ومن ترك للطاعات بسبب المال مثلًا فيتذكر كل هذه الأحداث في مثل هذا الموقف. فعندما يقول:"هلك عني ماليه"الآن يستعيد كل ما فعل ماله في معصية الله عز وجل، وفي تركه للطاعات. ويقال: أنه في رجل قد جمع مالًا فأوعى ولم يدع صنف من أصناف المال إلا اتخذه ثم ابتنى قصرا وجعل عليه حجابا وحراسا، ثم جمع أهله وعياله وصنع لهم طعاما وقعد على سريره ووضع إحدى رجليه على الأخرى ويراهم وهم يأكلون ثم قال: يا نفس، تنعمي سنين فقد جمعت لك ما يكفيكِ فما فرغ من كلامه حتى أقبل مَلَك الموت على هيئة رجل عليه خلقان من ثياب (أي ثياب مقطعة) فقرع الباب بشدة عظيمة فوثب إليه الغلمان (أي الحشم والخدم) فقالوا له: ويلك، ما شأنك؟ ومن أنت؟ فقال: ادعوا لي مولاكم. قالوا: إلى مثلك يخرج مولانا! قال: نعم. فأخبروا مولاهم، فقال: هلاّ فعلتم به كذا وكذا؟ فأغلقوا الباب. فقرع الباب بشدة أعظم من الأولى، فوثب إليه الحرس. فقال: أخبروه أني ملك الموت. فلما سمعوه أُلقي عليهم الرعب، ووقع على مولاهم الذل والخشوع. فقال: قولوا له يدخل، فقولوا له قولًا لينا. فدخل، فقال ملك الموت: اصنع بمالك ما أنت صانع، فإني لست بخارج عنك حتى أَخرج بنَفَسِك. فأمر بماله فجُمِعْ، الآن تذكر ماله، فلما رأى المال قال: لعنك الله من مال، فأنت شغلتني عن عبادة ربي، ومنعتني عن النظر لنفسي فأنطق الله عز وجل المال فقال: لِمَ تسبني؟ وبي جلست مجالس الملوك، وبي نكحت المتنعمات (أي تزوجت المتنعمات) ، وبي فعلت وفعلت، وكنت تنفقني في سبيل الشر فلا أمتنع منك، ولو أنفقتني في سبيل الخير وطريق البر لنفعتك اليوم ثم قبض ملك الموت روحه فسقط هذا الرجل ميتًا بين أهله وبين ماله وبين حشمه وخدمه في اللحظة التي قال: يا نفس، تنعمي سنين فقد جمعت لك ما يكفيكِ. ففي هذه اللحظة التي تذكر المال تذكر كل ما فعله ماله، فكذلك الإنسان عندما تذكر المال قال:"ما أغنى غني ماليه"، اجتمعت كل الحوادث الآن في رأسه، وتذكر كل ما فعل به المال، فسكت سكتة أخذ يتندم من هذا المال الذي أدى به الهلاك ثم قال:"هلك عنّي سلطانية"، فذكر السبب الثاني ثم انقطع المشهد فسُمع صوت عظيم يقول:"خذوه فغلوه (أي غلوه وصفّدوه) & ثم الجحيم صلّوه & ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا فاسلكوه (طولها سبعون ذراعا هذه السلسلة، فاسلكوه: فادخلوها من فمه وأخرجوه من أسته، ويجر ويدع إلى نار جهنم يدفع بها دفعًا) . فعندما تذكر المال توقف وتذكر كل أحوال المال، فشعر بحشرجة في الصدر فما استطاع أن يتكلم، ثم بعدها جهش بالبكاء فترة طويلة قبل أن يذكر السبب الثاني، ثم قال:"هلك عنّي سلطانية"."
لقد احتاج الأمر إلى شرح لمدة ساعة عن موضوع هذه الوقفات والله عز وجل أشار إليها فقط بلحظة ثانية، حتى كل هذه المعاني تجتمع عندك. لذلك عندما سمع العرب كلام الله عز وجل وهذه الآيات مكيات (أي نزلت في مكة) فعندما سمعها الوليد بن مغيرة قال له أبو جهل: يا أبا الوليد قل في هذا الكلام قولًا، فقال: إن قريش قالت: إنك قد تنفّق بضاعتك، (أي يدفع لك لتستمع إليه) . فقل بالقرآن قولا يسمعه الأول والآخر. قال: ماذا أقول؟ فأخذ يفكر فترة طويلة، قال: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله (أي أدق الأمور فيه) لمغدق (بالخير) ، وإنه ليعلو (هذا القرآن) ولا يعلا عليه، وإنه لحطّم ما تحته. قال: قد احترقنا بمثل هذه الكلمات فقل فيه قولًا يسمعه الأول والآخر، نظر الوليد، قال: شاعر، قال: والله إني أعلم الناس بالشعر ما هو بشاعر. قال: كاهن، والله إني أعلم الناس بالكهانة ما هو بكاهن. قال: مجنون، قال: إني أعلم بالناس بالجنون ما هو بمجنون. فقدّر التقدير الأول ثم فكّر وقدّر التقدير الثاني ثم فكّر وقدّر التقدير الثالث ثم قال بعد ذلك: إن هذا إلا سحر يؤثر، إن هذا إلا قول البشر. فقال الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ذرني (أي لا تتدخل، الأمر بيني وبينه) ومن خلقت وحيدا (أي وحيد أبيه، وقد رزقه الله بالأموال والبنين الكثير) & وجعلت له مالًا ممدودا & وبنين شهودا & ومهدت له تمهيدا & ثم يطمع أن أزيد (ثم بعد هذا الكفر يريد أن أزيد، فلم يقل الله عز وجل أزيدا(كممدودا، شهودا، تمهيدا، امتداد) فهذا دليل على انقطاع الزيادة) & كلا (لن أزيد، لن أزيده الهداية بعد أن أعرض عن الله عز وجل) إنه كان لآياتنا عنيدا & سأرهقه صعودا & إنه فكر وقدّر (قال: شاعر) & فقتل كيف قدر (قال: كاهن) & ثم قتل كيف قدر (قال: مجنون) & ثم نظر & ثم عبس وبسر & ثم أدبر واستكبر & فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (يشير ويستهزأ بكتاب الله عز وجل) & إن هذا إلا قول البشر & سأصليه سقر & وما أدراك ما سقر & لا تبقي ولا تذر & لواحة للبشر (تلوّح له من بعد) & عليها تسعة عشر (من الملائكة لا يستطيع الخروج منها فصيحة مَلَك أهلكت أمة بأكملها فكيف بتسعة عشر على نار جهنم) .
فهذا عظمة لكلام الله عز وجل، فلا نشعر بهذه العظمة إذا ما تفحصنا كلام الله وإذا ما أعرضنا عن التدبر. مَن مِنّا قال مثلما قال الوليد بن المغيرة؟ مَن مِنّا شعر بعظمة القرآن كما شعر الوليد بن المغيرة؟ مَن مِنّا فعل كما فعلت قريش عندما قام النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ يصلي عند الكعبة فصلى خلفه عدد قليل من الصحابة (بداية ظهور الإسلام) والمنتديات كانت بالقرب من الكعبة فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة النجم ورؤوس قريش تسمع فالكل سكت وصمت، ففي هذه السورة الله يستهزأ بآلهتهم وهم يسمعون، كما إنه بعد ذلك قرّعهم ووبخهم وهم يسمعون، وذلك لبلاغة وعظم هذا القرآن، إلى أن وصل إلى الآية:"فاسجدوا لله واعبدوا"فالأمر كان للمسلمين فسجد النبي صلى الله عليه وسلم فخرّ الصحابة خلفه سجود فقامت قريش قالوا: والله ما ينبغي لمثل هذا الكلام إلا وإن تخر له الجباه فخرت له الجباه ساجدة لله تعالى، قريش كافرة لم تتحمل بلاغة القرآن وعظمته فسجدت إلا كافر واحد جاحد قال: لا أسجد، فقال: إذا الجسد لم يسجد لله والله لأجعلن هذه الجبهة تذعن لله تبارك وتعالى وتذعن لمثل هذا الكلام فأخذ حفنة من التراب فجعلها على جبهته قال: والله لأذلنك ذلًا لمثل هذا الكلام. لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتكى إلى الله عز وجل قال: يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا. فهجرنا حفظ كتاب الله، وتدبر معانيه، والقيام بكتاب الله، والاستشعار بهذه الآيات، وتطبيق كلام الله تبارك وتعالى.
والحمد لله رب العالمين.
سؤال: عند الوصل في هذه الآيات التي تتطلب الوقف أي التي فيها سكتة خفيفة، هل عند وصلها تحتمل معنى آخر؟
الجواب: الأصل هو الوصل فهو أمر طبيعي، لكن الوقف هو الأمر غير طبيعي، أما عن وصلها هل تحتمل معنى آخر؟ لا أدري ربما. عند العرب الزيادة في الشيء زيادة في المعنى والعكس صحيح، فالوصل ليس بزيادة ولكن طبيعة، فالوقفة أو السكتة هي الزيادة.
القسم: التصنيف الرئيسي » مشايخ وطلبة علم » الشيخ عدنان عبد القادر
عدد القراء: 2145
تاريخ الموضوع: 01 - ديسيمبر - 2002 ميلادية