فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 316

أنه لا حديث للتونسيين الا عن قصة وردة التي أمضى زوجها سبعة عشر سنة في السجن اثر ادانته بجريمة قتلها، ثم ما لبث أن ظهرت حية ترزق بعد 41 سنة على اختفائها ولكن دون نضارة ولا أريج وذكر أن المرأة وهي من منطقة البريكات بولاية القصرين في الجنوب التونسي فرت خلال عام 1942 من زوجها بسبب معاملته السيئة لها وضربها بسبب وبدون سبب كما تقول وأثناء فرارها لوثت عباءتها أو ما تعرف (( بالسفساري ) )أو الملحفة باللهجة التونسية بدمها وألقت بها في أحد الوديان بجانب جيفة كانت الذئاب أكلتها ثم تابعت سرها على غير هدى باتجاه الحدود الجزائرية واضطرت وردة خلال الأيام الثلاثة الأولى لهربها أن تأكل الأعشاب وجزءًا من فضلات جيف الحيوانات التي كانت الذئاب قد افترستها وذلك كي تبقي على قيد الحياة وقبل انهيارها تمامًا بفعل الجوع والخوف والعطش قيض الله لها قافلة جمال يقودها ثلاثة أشخاص كانوا متجهين الى الجزائر فحملوها معهم بعد أطعموها ودثرها أحدهم - وهو تونسي - بعباءته ولما وصلت القافلة الى أول قرية جزائرية سلمها الشخص الذي دثرها بعبارته الى أحد تجار القرية وعاشت وردة مع التاجر المذكور فترة ثم ما لبثت أن ضجرت ففرت منه واستقلت قطار بضائع نقلها مع حمولته من الخشب الى بلد هراس في الجزائر أيضًا وفي هذه الأثناء فطن بعض أقارب وردة في مسقط رأسها بقرية البريكات التونسية لغيابها فأخذوا يبحثون عنها لعد أيام ... الى أن وجدوا عبائتها الملطخة بدمها في الوادي القريب من القرية واتجهت الشكوك نحو زوجها حيث شهد الأقارب والجيران بقساوة معاملته لها وتهديده الدائم بقتلها والقي القبض على الزوج من قبل البوليس الفرنسي آنذاك وحكم عليه بالسجن لمدة 17 عامًا ... حيث لم يخرج من سجنه الا بعد أن فقد نظره تمامًا وبعد أن حرم أيضًا من رؤية ابنتيه اللتين أنجبتهما له (( وردة ) )خلال زواجهما الذي لم يستمر أكثر من خمسة أعوام وتولت شقيقة الزوج تربية البنتين

أما وردة فبعد وصولها الى بلدة هراس الجزائرية أخذت تتسول في النهار وتأوي الى كوخ صغير بالقرب من محطة القطار وتنبه مدير المحطة وهو فرنسي يدعى فرانسو كما ذكرت فأعجب بجمالها ونضارتها .. ونقلها الى منزله لخدمته .. ثم ما لبثت أن زوجها أحد عماله الفقراء وهو جزائري يدعى حمودة

وعاشت وردة مع حمودة وأنجبت له سبعة من البنين والبنات ... وكانت تخفي عن أبنائها الجزائريين وجود أختين تونسيتين لهما

وبعد حوالي 37 سنة من الزواج توفي حمودة ... وترك وردة مع الأولاد السبعة الذين تزوجوا جميعًا وأنجبوا وتقول وردة أنها لم تستطع منذ مغادرتها مسقط رأسها في قرية البريكات أن تنسى زوجها وابنتيها الصغيرتين اللتين تركتهما هنال ... ولا سيما الابنة الصغرى التي تركتها وهي تعاني من جرح أصابها في وجهها من جراء شطبة خشب طارت من قطعة حطب كانت تقوم وردة بتكسيرها في فناء المنزل وذهبت وردة الى القنصلية التونسية في الجزائر العاصمة وروت لمسئوليها قصتها طالبة منهم مساعدتها على الاستعلام عما اذا كان زوجها وابنتيها ما زالوا على قيد الحياة في قرية البريكات وبعد اتصالات واستفسارات استمرت سنة تلقت وردة برقية من القنصلية التونسية تفيد بأن زوجها وابنتيها ما زالوا أحياء يرزقون .. والطريف أن أحد أبناء وردة الجزائرية هو الذي تلقى البرقية من ساعي البريد ولما فضها وقرأها أصيب بالذهول ولم تستطع أمه بعد ذل اخفاء الحقيقة وطلبت منه ومن اخوانه الآخرين مساعدتها على السفر الى تونس لرؤية ابنتيها.

ولما وصلت وردة الى البريكات استفسرت من بعض أهل القرية - الذين لم يعرفونها البتة وقد أصبحت في العقد السادس من عمرها - عن زوجها وابنتيها فأخبروها أن الابنة الكبرى تقيم مع زوجها وأولادها في دار أبيها لأن الأب اشترط على الزوج ذلك حتى تعتني ابنته به لأنه ضرير

وأسرعت (( وردة ) )الى بيتها الزوجي الاول، ولما طرقته بيد مرتعشة فتحت لها الباب امرأة في العقد الرابع من عمرها على وجهها آثار جرح قديم ولم تتمالك ورده نفسها لدى رؤية المرأة فألقت بنفسها عليها وهي تجهش ببكاء هستري وهي تصيح (( ابنتي ابنتي ... ) )وذهلت الابنة لأنها لم تكن تعرف لها أما على قيد الحياة ... اذ ان الجميع أخبروها أن أمها ماتت منذ كانت هي في الثانية من عمرها

وخرج الزوج الضرير الى فناء المنزل لدى سماعه البكاء والصراخ ... وعندما علم هوية المرأة القادمة ذهل وفقد القدرة على النطق لعد دقائق

والقت وردة بنفسها عند أقدامه طالبة الغفران ... فقبل الأسى وبعد تدخل الجيران الذين حضروا بعد سماع البكاء والصراخ ... وعادت المياه لمجاريها بين الأم وعائلتها القديمة بعد ان تم استدعاء البنت الكبرى من القرية المجاورة التي تقيم فيها مع زوجها وأولادها وأسدل الستار بذلك على قصة (( وردة ) )التي لا يمكن لأي كاتب سينمائي أن يحبك قصة أكثر منها غرابة.

والوقائع مثل هذه كثيرة تحدث في مجالس الحكم عامة وخاصة وهي قضايا تحتاج الى سعة الصدر وطول البال والكياسة والفطنة، ولقد كان يمكن اتهام الابن هكذا ولو فرضنا أنها أكبر من ذلك وكانت الحال عجلة والناظر يحكم بظواهر الأمور لذهب هذا الابن في خبر كان ولهذا فلابد من التروي والنظر وجعل المتهم محل العطف والمساعدة واحساسه بالأمن والحماية لكي يتمكن من المدافعة حتى في حال الشهادة والشهود فيتكلم ويعترض ويبين ما وسعه الأمر وما وسعته الحجة. والوقوف ضد المتهم هكذا يعمي عنه حجته وقد يضعف فيظن الحاكم أنه الذي حصل منه ما يوجب مؤاخذته به فيكون الحكم في غير محله من غير قصد ومن ذا الذي يقصد هذا ويريده لكن الحال في هذا تستدعي الدهاء والفطنة وجعل كل من المدعي والمدعى عليه في حال رحبة جدًا فيقوى الضعيف ويضعف القوي أمام الحق الذي يقوله ويحكم به ناظر القضية وكذلك الحال بالنسبة للواقعة الثانية اذا نظرنا إليها نظرة عقل من خلال الحكم الذي يصده القاضي فالشهادة اذا لا يقال بها ولا الشهود كذلك ما لم يكن قد توفر واجب الأخذ بهما فإن عرت الدعوى من الشهادة أبدًا ردت وبرئت ساحة المتهم فلا يقبل في حقه ما قبل فيه ولهذا حينما جاء: سعد بن عبادة رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم (( أرأيت لو وجدت مع امراتي رجلًا أمهله حتى أتي بأربعة شهداء فقال النبي صلى الله عليه وسلم نعم - جاء في حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم قال لهلال بن أمية لما قذف امراته بشريك بن شحماء البينة والا حد في ظهرك ) )وهذا كله من أجل جعل الحقيقة ضاربة أطنابها كجبل شامخ لا يريم فالدعوى مجردة من البينة ليست بشيء والمتهم بري حتى تثبت ادانته بحق واضح لا يقبل التفسير وهذا كله الفصل فيه لناظر القضية فهو الحاكم للمدعي أو المدعى عليه وأساس هذا تقوى الله ومراقبته وصدق النظر والحلم والأناة وفراسة القلب والعقل معًا ولن يخيب التقي الصادق الورع . وانني لأدعوا دعوة حق أن يكون في كل دولة بنك خاص للمعلومات فيما يخص القضايا التي يتهم فيها الشخص دون دليل صريح وهذا البنك أدعو اليه يخالف بنك المعلومات الذي يكون لتحليل الأخبار والمعلومات السياسية وبيان ما هي عليه من حق أو باطل وكثيرًا ما ذهب بعض المسؤلين - الموظف - صغيرًا كان أو كبيرًا في طريق الظن السيء من قبل مرؤوسيه الذين لا يرغبونه وهذا ما يدعوني كذلك الى النداء العاجل أن يحمى .. الموظف .. المستضعف الذي استضعفته رئيسه حيث لم ينفذ مثل هذا الموظف .. مطالب رئيسه خاصة المادي منها ولعل المباحث الاداري وحده لا يكفي ما لم يسبق تصور شامل عن الموظفين الذين يحتاجون الى متابعة دقيقة وتقية

القسم: التصنيف الرئيسي » الشيخ صالح اللحيدان

عدد القراء: 1831

تاريخ الموضوع: 08 - فبراير - 2003 ميلادية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت