فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 316

الشيخ عبد الله بن حميد - رحمه الله -:"فإذا غربت عليه الشمس وهو بمنى لزمه المبيت والرمي من الغد بعد الزوال ، لقول عمر:"من أدركه المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس"ولأنه بعد إدراكه الليل لم يتعجل في يومين ، لكن لو غربت عليه الشمس بمنى وقد ارتحل أو كان مشتغلًا بنقل أثاثه من خيام وغيره فلا يلزمه المبيت ،لأنه قد أخذ في التعجل" [23]

الشيخ صالح الفوزان:"فالتعجل معناه أن يخرج وينفر من منى بعد رمي الجمرات في اليوم الثاني عشر بعد الزوال من قبل غروب الشمس ،هذا التعجل ، وإذا أدركه الغروب ولم يرحل من منى فإنه يتعين عليه المبيت فيها ليلة الثالث عشر والرمي في اليوم الثالث عشر بعد الظهر ، والله أعلم" [24]

الترجيح:

· قول الظاهرية في هذه المسألة هو أقرب للصواب والله أعلم وذلك للأمور الآتية:

· أولًا: ظاهر الآية يدل على جواز التعجل في يومين ، والآية مطلقة فما ورد عن الشارع مطلقًا لا يجوز إدخال أي قيد من القيود إلا بدليل ، أما قولهم إن الله تعالى قال { فمن تعجل في يومين } [25] ولم يقل: في يومين وليلة [26] ، فيجاب على ذلك بأن الله تعالى قال في بداية هذه الآية {واذكروا الله في أيام معدودات } [27] ولم يقل في أيام وليالي معدودات، والمراد بقوله تعالى في أيام: أي الأيام والليالي المعدودات،إذ الذكر المقصود هنا ما كان النحر ومن رمي الجمار ، والتكبير أدبار

الصلوات .

· ثانيًا: الأصل براءة الذمة وعدم إلزام الناس بشيء إلا بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقد ثبت في السنن"أن ناسا من أهل نجد أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بعرفة فسألوه فأمر مناديا فنادى: الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه" [28] قال ابن عيينة:"هذا أجود حديث رواه سفيان"وقال وكيع:"هذا الحديث أم المناسك" [29] ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يترك البيان وقت الحاجة ، وإن ما ورد عن الشارع مطلقًا لا يجوز إدخال أي قيد من القيود إلا بدليل ، فلو كان النفر من منى ليلة الثالث عشر بعد غروب الشمس لا يجوز لبين ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - .

· ثالثًا: أما أثر عمر - رضي الله عنه - فتوجيهه يكون من عدة

وجوه:

-الوجه الأول: من ناحية ثبوته فإنني لم أجد هذا الأثر في كتب السنة المطبوعة ، وقد اعتمد العلماء السابقون كالنووي والمعاصرون كالألباني على تصحيح ابن المنذر - رحمه الله - ، وعلى اعتبار صحته فإن هذا الأثر ليس نصًا في هذه المسألة ، لأن دلالته ليست قطعية .

-الوجه الثاني: قول عمر"من أدركه المساء"لا يعني بالضرورة بعد غروب الشمس ، فالمساء له وجه قوي في اللغة بأنه بعد الزوال أو ما بين الظهر إلى المغرب [30] ، وبهذا جاء أثر الحسن والنخعي - رحمهما الله:"من أدركه العصر وهو بمنى في اليوم الثاني لم ينفر حتى الغد" [31]

-الوجه الثالث: عمر - رضي الله عنه - يعرف عنه تشديده في كثير من المسائل في مناسك الحج حتى لا يتساهل الناس فيها ، فنجده على سبيل المثال ينهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج ، لا للتحريم إنما لكي لا يخلو بيت الله من النساك .

-وكذلك تشدد عمر - رضي الله عنه - في أنه كان يأمر الحائض أن تنتظر حتى تطهر من حيضتها فتطوف طواف الوداع ، ولم يكن يرخص لها بالذهاب قبل ذلك ، وهذا ثابت عن عمر كما أخرجه أبو داود وصححه الألباني - رحمه الله - في صحيح أبي داود (2004 ) .

-وكذلك ثبت بإسناد صحيح كراهية عمر - رضي الله عنه - للطيب قبل الإحرام ،فقد روى مالك في الموطأ عن نافع عن أسلم مولى عمر بن الخطاب:"أن عمر بن الخطاب وجد ريح طيب وهو بالشجرة فقال: ممن ريح هذا الطيب فقال معاوية بن أبي سفيان: مني يا أمير المؤمنين، فقال: منك لعمر الله ،فقال معاوية:إن أم حبيبة طيبتني يا أمير المؤمنين فقال عمر عزمت عليك لترجعن فلتغسلنه" [32] .

-كما منع - رضي الله عنه - أهل مكة من أن ينفروا في النفر الأول مع المتعجلين ، فقال:"من شاء من الناس كلهم أن ينفر في النفر الأول إلا آل خزيمة فلا ينفرون إلا في النفر الأخير" [33] ، بالرغم من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبت عنه أنه قال:"أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه" [34] فاستوى فيه أهل مكة وغيرهم ، كالدفع من عرفة ومزدلفة .

· رابعًا: أثر ابن عمر - رضي الله عنهما - ثابت لا ريب، ويمكن توجيهه بالأمور الآتية:

-التوجيه الأول: ابن عمر - رضي الله عنهما - لم يمنع النفر من منى لمن رمى الجمار في اليوم الثاني من أيام التشريق وقد غربت عليه الشمس في منى ، وإنما كان يمنع من الرمي ليلًا في أيام التشريق ، وهذا ثابت عنه كما روى البيهقي في"السنن الكبرى"عن ابن عمر قال:"من نسي أيام الجمار أو قال: رمي الجمار إلى الليل فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد" [35] .

-وهذا التوجيه هو ما فهمه ابن عبد البر - رحمه الله - فقال:"إنما قال ذلك - أي ابن عمر - لأن من غربت له الشمس بمنى لزمه المبيت بها على سنته ،فإذا أصبح من اليوم الثالث لم ينتظر حتى يرمي ، لأنه ممن تعجل في يومين ، فإن أقام حتى تزول الشمس رمى على سنته في تلك الأيام ، وقد رخص له أن يرمي في الثالث ضحى وينفر [36] ".

-فيكون توجيه أثر ابن عمر - رضي الله عنهما - على النحو الآتي: من غربت عليه الشمس وهو بمنى ولم يكن قد رمى من أوسط أيام التشريق فلا ينفرن حتى يرمي الجمار من الغد ويرخص له أن يرمي ضحى .

-التوجيه الثاني: ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يميل إلى التشديد بأشياء كثيرة لا يوافقه عليها الصحابة ، وهو ما أكده الإمام ابن القيم فقال:"كان هذان الصاحبان الإمامان - ابن عباس وابن عمر - ، أحدهما يميل إلى التشديد والآخر إلى الترخيص ، وذلك في غير مسألة، وعبد الله بن عمر كان يأخذ من التشديدات بأشياء لا يوافقه عليها الصحابة ، فكان يغسل داخل عينيه في الوضوء حتى عمِيَ من ذلك ، وكان إذا مسح رأسه أفرد أذنيه بماء جديد ، وكان يمنع من دخول الحمّام ، وكان إذا دخله اغتسل منه ، وابن عباس كان يدخل الحمّام ، وكان ابن عمر يتي"

القسم: التصنيف الرئيسي » مشايخ وطلبة علم » الأخ الفاضل سعود الزمانان

عدد القراء: 1584

تاريخ الموضوع: 03 - نوفمبر - 2002 ميلادية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت