فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 316

ومعنى ما جاء في التعريف من كون هذا الكلام الذى يوقف عليه وقفًا كافيًا لا تعلق له بما بعده من جهة اللفظ يعنى أنه لم يفصل فيه بين المبتدأ وخبره ، ولا بين النعت ومنعوته ، ولا بين المستثنى والمستثنى منه ، ولا بين التمييز ومميزه ، ولا بين الفاعل وفعله ……. ونحو ذلك.

وأما كونه له تعلق به من جهة المعنى فكأن يكون الكلام الذى جاء بعد محل الوقف الكافى تمامًا لقصة أو وعد أو وعيد أو حكم أو احتجاج أو إنكار.

وحكم هذا الوقف:

أنه كالوقف التام من حيث جواز الوقف عليه والابتداء بما بعده. وإن كان أقل تمكنًا من هذا الجواز من التام. وقد ذكر الصفاقسى له مثالًا ودليلًا على جوازه في ذات الوقت وهو ما جاء في صحيح البخارى بالسند المتصل عن عبدالله بن مسعود - رضى الله عنه - قال: قال لى النبى - صلى الله عليه وسلم -"اقرأ علىّ القرآن . قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: فإنى أحب أن أسمعه من غيرى. فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت (( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) )قال أمسك ، فإذا عيناه تَذْرِفان" (1) [25] ) قال الصفاقسى بعد ذكر هذا الحديث:

وهو استدلال ظاهر جلى باهر لأن القطع أبلغ من الوقف وقد أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن مسعود عند انتهائه إلى"شهيدًا"والوقف عليه كاف وقيل: تام والأول هو المشهور ومذهب الجمهور ، وعليه اقتصر ابن الأنبارى والدانى والعمانى والقسطلانى وغيرهم.

وهذا هو الظاهر لأن ما بعده مرتبط به من جهة المعنى لأن الآية مسوقة لبيان حال الكفار يوم المجئ حتى إنهم من شدة الهول وفظاعة الأمر يودون أنهم كانوا ترابًا وصاروا هم والأرض شيئًا واحدًا ، ولا يتم هذا المعنى إلا بما بعده وهو قوله تعالى: (( يومئذٍ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا ) )فلو كان الوقف عليه - أى على"شهيدًا"- غير سايغ ما أمر به - صلى الله عليه وسلم - مع قرب التام المجمع عليه منه وهو تذييل الآية المذكورة آخرًا وهو قوله سبحانه (( ولا يكتمون الله حديثًا ) ) (2) [26] (3) [27] )

وفى الإتقان: يدخل تحت هذا الوقف كل رأس آية بعدها لام كى وإلا بمعنى لكن - يعنى الاستثناء المنقطع - وإن المشددة المكسورة ، والاستفهام ، وبل ، ولا المخففة ، والسين وسوف ، ونعم وبئس وكيلا مالم يتقدمهن قول وقسم. (4) [28] )

3-الوقف الحسن:عرفه السيوطى بأنه"الذى يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده" (5) [29] ) لتعلقه به لفظًا ومعنى (6) [30] ) وذلك كأن تقف على كلام مفيد في ذاته بحيث إذا لم تذكر ما بعده لأخذ منه معنى يحسن السكوت أو الوقف عليه. وذلك كأن يأخذ الفعل فاعله ، والمبتدأ خبره ، والشرط جوابه. كل ذلك الوقف عليه حسن ، وقد يرتقى في الحسن إلى درجة الأحسنية بأن يضاف إلى ما ذكر وصف ونحوه.

ومثاله الوقف على (( الحمد لله …….. ) ) (7) [31] ) فإنه أفاد معنى بذاته ، لذلك فإن الوقف عليه حسن لكن لا يحسن الابتداء بما بعده لأنه صفة له ، فلا يحسن أن يبتدئ بـ (( رب العالمين ) )لأنه مجرور حيث هو نعت لما قبله ، فيترتب عليه الفصل بين النعت ومنعوته ، ويترتب عليه أيضًا البدء بمجرور والأصل أن يبتدأ بمرفوع. إذ المبتدأ مرفوع أما المجرور فلابد من ذكر عامله معه. والحاصل أنه إن حسن الوقف على (الحمد لله) فإن الابتداء بـ ( رب العالمين) لا يحسن لكونه صفة لما قبله ، ويستثنى من هذه القاعدة كما يقول الصفاقسى ما لو كان"الموقوف عليه رأس آية ، فلا يعيد ما وقف عليه لأنهن في أنفسهن مقاطع ؛ ولأن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قرأ قطّع ، ويقف عليها ولم يفرق بين ما هو متعلق بما قبله وغيره ، بل جعل جماعة الوقف على رءوس الآى سنة ، واستدلوا على ذلك بالحديث الذى رواه الترمذى بسند صحيح"أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قرأ قطّع قراءته آية آية يقول: بسم الله الرحمن الرحيم ثم يقف ثم يقول: الحمد لله رب العالمين ثم يقف ثم يقول: الرحمن الرحيم ثم يقف ثم يقول: مالك يوم الدين ……." (8) [32] )"

ثم يقول الصفاقسى أيضًا:

وإنما ذكروا هذا الحسن ليتسع الأمر على القارئ فربما ضاقت نفسه قبل الوصول إلى التام والكافى لا سيما ما كان من ضيق الحنجرة ، فللإنسان طاقة محدودة من الكلام الذى يجمعه في نفس واحد. (9) [33] )

وبعد فهذه هى الأقسام الثلاثة التى يجوز فيها الوقف مع التفاوت بينها في التمكن من هذا الجواز. فيندب في حق القارئ الوقوف على الأتم وإلا فالتام ، فإن لم يستطع فعلى الأكفى وإلا فعلى الكافى ، فإن لم يستطع فعلى الجائز - الحسن -"ويعيد ما وقف عليه إلا أن يكون رأس آية ، ولا يعدل عن هذه إلى المواضع التى يكره الوقوف عليها إلا من ضرورة كانقطاع نفس ويرجع إلى ما قبله ليصله بما بعده فإن لم يفعل عوتب ولا إثم عليه" (10) [34] )

4-الوقف القبيح:

هذا هو القسم الرابع من أقسام الوقف الاختيارى وقد عرفه السيوطى بأنه"الذى لا يفهم المراد منه" (11) [35] ) وذلك كأن يقرأ سورة الفاتحة فيقول"الحمد"ويقف فإنه لم يفد معنى ، أو أن يفصل بين المضاف والمضاف إليه كأن يقف على (رب) دون (العالمين) أو على (مالك) دون (يوم الدين) فذلك قبيح أيضًا ؛ لأن المضاف والمضاف إليه كالشئ الواحد.

وبالجملة فإن كل ما لا يفيد معنى ولا يفهم المراد منه فإن الوقف عليه قبيح. وأقبح منه الوقف الذى يفسد المعنى ، ويثبت خلاف المقصود. وذلك كمن يقف على ( ولأبويه ) من قوله سبحانه: (( وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه ) ) (12) [36] ) فإنه يوهم أن للأبوين النصف كذلك ، وهذا خلاف المقصود ، حيث إن في بقية الآية تفصيلًا لحق الأبوين (( ولأبويه لكل واحد منهما السدس ……… ) )الخ. فالوقف على (فلها النصف) وقف أكفى ، والوقف على (ولأبويه) وقف أقبح.

ومثاله أيضًا الوقف على (والموتى) من قوله سبحانه: (( إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى ) ) (13) [37] ) فهو يوهم أن الموتى يستجيبون كذلك. والمقطوع به أنه ليس هناك تكليف بعد الموت حتى يوصف الموتى بالاستجابة وعدمها. أو يوهم أن الموتى يسمعون لو جعلنا العطف على فاعل (يسمعون) وهو واو الجماعة.

قال الصفاقسى: وليس كذلك ، بل (الموتى) يستأنف ، سواء جعلته مفعولًا لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور بعده أى ويبعث الله الموتى ، أو جعلته مبتدأ وما بعده خبره ، فالوقف على (يسمعون) هو أكفى وقيل: تام. (14) [38] )

ومنه أيضًا أن يقف على قوله تعالى: ( قالوا ) من قوله سبحانه (( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ) ) (15) [39] ) أو قوله سبحانه (( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) ) (16) [40] ) لأن الابتداء بما بعد قالوا في الآيتين يؤدى إلى إثبات ما هو كفر ، لذلك قال السيوطى: من تعمده وقصد معناه فقد كفر. (17) [41] )

ومنه أن يقف على (( فويل للمصلين ) ) (18) [42] ) مع أنه رأس آية ، ومنه أيضًا الوقف على المنفى دون المثبت في نحو قوله سبحانه: (( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) ) (19) [43] ) إذ الوقف على (لا إله) نفى للألوهية وهو كفر لو اعتقد القارئ ذلك أو تعمده. أو قوله سبحانه (( وما أرسلناك إلا مبشرًا ونذيرًا ) ) (20) [44] ) فالوقف على (وما أرسلناك) نفى لرسالته - صلى الله عليه وسلم - ، فلا يجوز تعمد ذلك ولا اعتقاده.

وهنا أنبه على أن كل ذلك قبيح أو أقبح في حق من اختار الوقف ، ولا يدخل في ذلك من اضطر إلى الوقف بسبب انقطاع النفس أو نسيان ونحوه ، فإن على القارئ حينئذٍ أن يرجع إلى موضع يجوز الابتداء به وصولًا إلى موضع يجوز الوقف عليه ، وبذلك يكون الكلام قد انتهى عن الوقف واقسامه.

الابتداء ومراتبه

مضى تعريف الابتداء وأنه: الشروع في القراءة بعد قطع أو وقف. وإذا كان الذكر قد سبق بأن الوقف لا يكون إلا على ما يتم به المعنى ويوفى بالمقصود ، فإن الابتداء كذلك أيضًا لا يجوز أن يبتدأ إلا بما هو مستقل المعنى ، بل إن هذا الشأن في الابتداء آكد واشد إلزامًا ؛ لأن الابتداء يكون باختيار القارئ لا تلجئه إليه ضرورة كما هو الحال في الوقف أحيانًا.

وتتفاوت مراتب الابتداء تمامًا كتفاوت مراتب الوقف من حيث التمام والكفاية والحسن والقبح. والقبيح منه يتفاوت في القبح ما بين قبيح وأقبح وذلك كمن يقف على قوله تعالى: (( لقد كفر الذين قالوا ) )ثم يستأنف (( إن الله ثالث ثلاثة ) )أو (( إن الله هو المسيح ابن مريم ) )وقد مضت الإشارة إلى ذلك قريبًا ، ويلحق بذلك أيضًا من وقف على قوله تعالى: (( لقد سمع الله قول الذين قالوا ) )ثم يستأنف (( إن الله فقير ونحن أغنياء ) ) (21) [45] ) أو كمن يقف مضطرًا على قوله تعالى: (( وما لى ) )ثم يستأنف (( لا أعبد الذى فطرنى ) ) (22) [46] ) ونحو ذلك مما أفاض في التمثيل له العلماء كالسيوطى والصفاقسى.

وتفاوت مراتب الوقف هذه إنما مرجعه إلى المعنى ، فما يكون مؤديًا لمعنى جديد مستأنف هو الذى يكون الابتداء به في أرقى درجاته وهلم جرا.

قال السيوطى: لا يجوز - الابتداء- إلا بمستقل المعنى موف بالمقصود ، وهو في أقسامه كأقسام الوقف الأربعة ويتفاوت تمامًا وكفاية وحسنًا وقبحًا ، بحسب التمام وعدمه وفساد المعنى وإحالته.

ثم ساق بعض الأمثلة للقبيح والأقبح فارجع إليه. (23) [47] ) حيث إن فيما ذكرناه غنية وكفاية.

والسلف الصالح - رضى الله عنهم - كانوا يراعون مواضع الوقف والابتداء تمام المراعاة خشية أن يقف الواحد منهم على مالا يجوز أو أن يبتدئ بما لا ينبغى بل إن بعضهم كان"إذا قرأ ما أخبر الله به من مقالات الكفار يخفض صوته بذلك حياءً من الله أن يتفوه بذلك بين يديه" (24) [48] ) وليس معنى ذلك أن من يجهر بمثل ذلك يكون مخطئًا أو لم يراع قواعد الأدب مع الله لأن السر والجهر بالنسبة إلى الله تعالى سواء. قال تعالى: (( وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ) ) (25) [49] )

ومن العلماء الذين نبهوا على وجوب مراعاة ذلك الإمام مكى بن أبى طالب في كتابه الكشف عن وجوه القراءات السبع ، وضرب على ذلك بعض الأمثلة على ما لا يجوز الابتداء به ومن ذلك الابتداء في القراءة بقوله تعالى (( الله لا إله إلا هو ) ) (26) [50] ) بعد الاستعاذة مباشرة فإنه غير سائغ ؛ لأن القارئ يصل"الرجيم"بلفظ الجلالة وذلك قبيح في اللفظ يجب الكف والامتناع عنه إجلالًا لله وتعظيمًا له.

ومنه أيضًا الابتداء بقوله تعالى: (( إليه يرد علم الساعة ) ) (27) [51] ) بعد الاستعاذة مباشرة لأن القارئ يقول:"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. إليه يرد علم الساعة"فيصل ذلك بالشيطان وهو قبيح جدًا.(

القسم: التصنيف الرئيسي » مشايخ وطلبة علم » الدكتور أحمد الخطيب

عدد القراء: 2198

تاريخ الموضوع: 14 - مارس - 2003 ميلادية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت