فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 316

الأصل أن موسى هو الذي يتم تقديمه عن هارون وذلك لأنه هو رسول ونبي بينما هارون هو نبي فقط وتابع لموسى، ولكن ما حصل في سورة طه فهو العكس، لماذا؟ في سورة طه يجب أن نعرف مغزى هذه السورة كي نعرف أو نتوصل إلى البلاغة أو الغاية والحكمة، ما هو الموضوع التي تتكلم عنه هذه السورة؟ فلكل سورة وحدة موضوعية، فسورة طه تتكلم عن الدعوة، وطريقتها، ووسائلها. فعندما يقرأ الإنسان منذ البداية قال تعالى:"طه"أحرف عربية للتحدي،"ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى"فهذا القرآن تذكرة للدعوة تدعو الناس،"تنزيلًا ممن خلق الأرض والسموات العلا"لم يقل الله سبحانه إنزالا، وهناك اختلاف بينهما فالإنزال هو مرة واحدة أما التنزيل فهو التدرّج فكأن الدعوة هي للتدرج، فدعوة النبي صلى الله عليه وسلم متدرّجة، فرحمة الله تبارك وتعالى بالعباد أن قدّم الأرض على السماء وإلا غالبًا تقدّم الأرض على السماء، لِمَ؟ قيل من الحكم التي قُدّمت الأرض في هذه الآية كذلك في سورة يونس، وهود وذلك لأن الله في هذه السورة أراد أن يجبر خاطر النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم من ساكني الأرض فرفع الله عز وجل من شأن الأرض لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد سكن هذه الأرض. سورة طه تتكلّم عن الدعوة، لذلك الله عز وجل عندما أتى موسى، وشعر بالخوف ماذا قال الله عز وجل له؟ الله تبارك وتعالى خفّف من هذه الحِدّة التي شعر بها موسى ومن هذه الرهبة قال تعالى:"وما تلك بيمينك يا موسى"فلاحظ كيفية الدعوة الآن، الله عز وجل كيف أخذ يكلّم موسى عليه السلام بعد أن دخل في قلبه الروع فأدخل في قلبه الأمن، وكيف تكلّم وتدرّج معه؟ قال تعالى:"هي عصاي (نوع من التلطف مع موسى عليه السلام) أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي (أي لتتساقط بها أوراق الشجر لتأكل منها الغنم) وليَ فيها مآرب أخرى قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى (فهذا تلطف لم يقل الله في البداية ألق العصاة) قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى"، وقال الله لموسى عليه السلام في بداية الآيات عندما أتى موسى لكي يأخذ القبس قال تعالى:"وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى"عندما تأتي لأخ وتقول له: لقد اتصلت بك دونًا عن غيرك، فهنا يشعر إنك خصصته بهذا الاتصال فهذا إن كنت مخلوق فكيف إذا ما كان هذا المتصل وزير أو وكيل أو ملك لا بل ملك الملوك، فهنا كيف سيشعر موسى عليه السلام؟ لذلك تهيأ موسى لتلقي الرسالة، وإنه مستعد لأن يسمع ما يوحى إليه، ثم قال تعالى:"إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى"…إلخ. الآيات تتكلم عن موضوع الدعوة، لذلك عندما أرسل الله عز وجل موسى لفرعون قال:"رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني"إلى قوله تعالى:"واصطنعتك لنفسي"هنا الله سبحانه وتعالى يقول لموسى عليه السلام أنت من خاصتي، فله عليه السلام مكانة عليا عند الله، فكيف لا يستجيب موسى وهذه الكلمات الجميلة من الله عز وجل له؟ فالله عز وجل خاطب موسى بهذا الأسلوب، فكيف بنا نحن؟ فالله سبحانه وتعالى خاطب أفضل رجل على وجه الأرض في ذلك الوقت، فكيف بنا نخاطب الناس من هو أقل من موسى عليه السلام؟ فيجب علينا أن نخاطب بطريقة فاضلة فوضح لنا الطرق التي ندعو بها الناس. فالله تبارك وتعالى أثناء هذا الكلام قال في قصة السحرة عندما سجدوا لله عز وجل، وهي كالآتي: عندما دخل قالوا:"رب هارون وموسى"، عندما أرسل إلى فرعون مع هارون دخلا على فرعون فدعاه إلى الله تبارك وتعالى وإلى بني إسرائيل، رفض فرعون وأخذ يناقش موسى: ما رب العالمين؟ فقال له موسى"رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين"قال لمن حوله:"ألا تستمعون"قال:"ربكم ورب آباءكم الأولين"، كأنما هنا موسى يُشعِر فرعون إنه يدعي الألوهية، فآباؤك قد ادعوا الألوهية سنين وهم الآن تحت الأرض في القبور، فهؤلاء لا يستحقون الربوبية فإذًا أنت لا تستحق الربوبية، فمصيرك كمصيرهم، فقد تكلم معه بكلام لكي يحرجه،"قال إنه رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون""قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون"أي إن كنت مجنون فأنتم أصحاب عقول. فهذا النقاش حصل بين موسى وفرعون، ثم بعد هذا النقاش قال فرعون:"فاجعل بيننا وبينك موعدًا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانًا سوى& قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى& فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى"وفي آية أخرى في سورة الأعراف قال تعالى:"وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم"، حاول فرعون أن يجهز الناس وأن يقفوا صفًا واحدًا أمام موسى عليه السلام، ففرعون لم يستشر قومه يومًا ما لكن في هذه الحالة فقال:"قال للملأ حوله إن هذا لساحرُ عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون"، فالغريب بأمر فرعون إنه لم يتفوه بهذه الكلمات من قبل، ولكنه عندما رأى الآية العظمى التي أتى بها موسى عليه السلام، حاول أن يجمع الناس حوله لأنهم كادوا أن يتفرقون عندما رأوا الآية العظمى، فلهذه المشورة حاولوا أن يتجهزوا لها لأنها بظنهم أنها فرصة ويريدون أن يغتنموها، سورة الأعراف يتكلم عن موضوع البشارة والنذارة والرسالة، فلذلك نجد تكرار كلمة أرسل، أرسلنا في الآيات. فمثلًا نجد في سورة البقرة"فأنزلنا على الذين ظلموا رجزًا من السماء"وفي سورة الأعراف"فأرسلنا عليهم رجزًا من السماء بما كانوا يظلمون"، وقال تعالى:"وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم"، الإرسال هو كما وقف النبي عليه الصلاة والسلام في القوم وقال لهم: واصباحاه..إلخ فيأتيه القوم ويبلغهم ما يريد، لكن الموضوع في سورة الشعراء تبيان لمكانة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أكرم الخلق على الله تبارك وتعالى، ومهما تحدى الناس النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله سينصره إلى قيام الساعة، لذلك في بداية السورة تتكلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى:"لعلك باخعٌ نفسك ألاّ يكونوا مؤمنين& إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين"وكذلك في نهاية السورة قال تعالى:"نزل به الروح الأمين& على قلبك لتكون من المنذرين"فكلمة على قلبك فيها نوع من اللطف وفيها تبيان لمكانته صلى الله عليه وسلم، وكذلك في نهاية السورة قال تعالى:"وتقلّبك في الساجدين"أي دائما أنت تذكر على لسان الساجدين، فدائما اسمك يتقلب على لسان الساجدين. لذلك لما حصل النقاش بين فرعون وموسى فدعا قومه للوقوف معه فقالوا له:"فابعث في المدائن حاشرين"، نحن نعلم أن اللغة العربية تتعامل بطريقة اللفظ، أي يعرف معنى الكلمة عن طريق اللفظ بها، فحرف الثاء للانتشار والكثرة، أي فقولهم كث أي كثير منتشر، فابعث أي ابعث الرسل الكثيرين إلى كل القرى حتى بعد ذلك يخرجوا السحرة من باطن الأرض، فإن بعثوا إلى تلك القرى ومحصوا تلك القرى وأخرجوا لك تلك السحرة فسيخرجون أعظم السحرة، وأعظم السحرة لا يقول له ساحر بل سحّار أي صاحب علم دقيق بالسحر، فناسبت كلمة ابعث لكلمة سحّار، وأرسل ناسبت كلمة ساحر، فالإرسال على العموم لكن ابعث كأنه يحفر بباطن الأرض حتى يخرج أولئك السحرة. فالشاهد من هذا، أنه حصل النقاش واتفقوا على يوم ، فأتى موسى عليه السلام وكان هذا اليوم مناسب له لأن في هذا اليوم كل الأمة تجتمع، فاجتمعت الأمة القبطية في هذا اليوم فأتى فرعون على عرشه وحوله الوزراء والحشم والأمة كلها تنادي باسم فرعون وموسى وهارون عليهما السلام لوحدهما قال تعالى:"قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى & فأجمعوا كيدكم ثم أتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى & قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى & قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم إنها تسعى"فهذا سحر التخييل بحيث أن الكل يرى أن الحبال تسعى ثم قال تعالى"فأوجس في نفسه خيفة موسى"أي شعر موسى بالخوف، واضطرب قلبه، ففي هذه اللحظة لا تستطيع أن تقول له ألقي عصاك، وذلك تخيّل معي عندما تكون في وضع فيه نوع من الاستعجال والربكة والرهبة وتريد المفتاح وهو بيدك ولكن من شدة الارتباك لم يشعر إنه بيده، فكذلك بالنسبة لسيدنا موسى عليه السلام لو قيل له: ألق عصاك فربما سأل وقال: أين العصا؟ ولكن الله عز وجل لم يقل لموسى عليه السلام: ألق عصاك ولكن قال:"وألق ما في يمينك"مهما كان ما في يمينك سواء كانت عصا أم غيرها ثم قال تعالى:"تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى"فتخيلوا أن الساحة كلها ثعابين المتخيلة فإذا العصا قد تحولت إلى ثعبان عظيم قد التقم هذه الثعابين أو الحبال في لحظة واحدة، قال تعالى:"تلقف"لأن المعروف أن الحية لا تلقف لأنها أولًا تضرب بالسم ثم بعد ذلك تبتلع ضحيتها. ولكن حية موسى شيئًا آخر فقد لقفت في لحظة واحدة، ومنها شعر السحرة بأن هذا الأمر شيء عظيم وإن هذا ليس بسحر وإنما هو من عند الله تبارك وتعالى لأنهم أصحاب السحر ويعلمون دقته وعظم هذا السحر، فسجدوا لله قال تعالى"فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى"وقالوا رب هارون وموسى، لِمَ؟ هذه السورة تتكلم عن الدعوة وأن صاحب الدعوة الله يرفعه درجات فمن نهى عن المنكر وأمر بالمعروف يُرفَع درجات عند الله تبارك وتعالى، ففي هذه السورة لم يذكر الله عز وجل عن هارون أما في سورة الأعراف عندما ذهب موسى للقاء الله تبارك وتعالى بعد أن نجى الله بني إسرائيل، فاتخذ قوم موسى ذلك العجل وعبدوه فلما رجع موسى قال تعالى:"ولما رجع موسى غضبان أسفًا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه"ماذا قال هارون؟"قال يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين"إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني هل هذه الآية فيها دليل صريح بأن هارون أمر بالمعروف ونهى عن المنكر؟ لا. ربما كاد هارون يأمر بالمعروف وكاد ينهى عن المنكر ولكن خاف عندما تجمع القوم قال: إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، فلا توجد دلالة صريحة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولكن في سورة طه يختلف قال موسى عليه السلام عندما رجع إلى قومه قال تعالى:"و ما أعجلك عن قومك يا موسى & …إلى قول الله تعالى"ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري… إلى قوله تعالى"قال يا بنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي"فهذه فتنة وهذا كفر، فهنا أمر هارون بالمعروف ونهى عن المنكر فرفع الله تبارك وتعالى من شأن هارون عليه السلام فقدمه على اسم موسى ولأنه لا يخطر بالبال أن هارون هو أفضل من موسى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت