فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 316

فالقصد أن صفوان بن المعطّل كان متأخرًا عن الجيش ولعله بسبب النوم وأنه سار على طريقهم فوجد عائشة رضي الله عنها نائمة في مكانها تقول عائشة: فرأى سواد إنسان نائم من بعيد فأتاني فعرفني حين رآني (لأنها لما كانت نائمة كانت وجهها مكشوفًا تقول وكان يراني قبل الحجاب) فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني (أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون) فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطأ على يديها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة (أي يمسك بلجامها ويمشي على رجله) حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فوصلنا إليهم فهلك من هلك (تقصد أن الناس تكلموا في عرضها لما رأوها قادمة مع صفوان لوحدها فتكلم فيها من تكلم من المنافقين حتى إنه نقل فيما نقل من كلامهم كلام عبد الله بن أبي بن سلول أنه قال: والله ما جاءا إلا بعد أن فجر بها وفجرت به. والعياذ بالله فلعنة الله عليه) وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اللطف الذي كنت أراه منه حين أشتكي إنما يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيسلم ويقول كيف تيكم؟ (أي كيف حالك؟) ثمّ ينصرف فذاك الذي يريبني ولا أشعر بالشر وذاك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا مرضت عائشة كان يلاطفها ويسليها كما في الحديث المعروف للبخاري لما قالت عائشة رضي الله عنها: وارأساه فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: بل أنا وارأساه وما ضرك يا عائشة لو مت لغسلتك وكفنتك وصليت عليك وأنزلتك في قبرك وهي أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما سأله عمرو بن العاص: من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. قال: ومن الرجال؟ قال: أبوها.

حتى خرجت بعدما نقهت (أي تعافيت) معي أم مِسطح (بكسر الميم) قبل المناصع (أي مكانًا لقضاء الحاجة قرب المدينة) وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل وذلك قبل أن تُتخذ (بضم التاء) الكُنُف (وهي الحمامات) قريبًا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول بالتبرز قُبِل (بكسر القاف وفتح الباء) الغائط فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح (وهي ابنة أبي رُهم بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق أي أن أم مسطح ابنة خالة أبي بكر وابنها مسطح بن أثاثة) فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي وقد فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مِرطها (أي في ثوبها) فقالت: تعس مسطح. فقلت لها: بئس ما قلت أتسبين رجلًا شهد بدرًا؟ قالت: أي هنتاه (وتقال للبنت المغفلة وهنا اتهمت عائشة بالغفلة) فقالت: أولم تسمعي ما قال؟ قالت عائشة: وما قال؟ قالت عائشة: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضًا على مرضي. (لك أخيتي أنت أن تتصوري نفسك وقد اتهمت في عرضك كيف تكون حياتك وكيف تنعمين بالحياة وأعز ما عند المرأة عرضها قد تتهم بكذب أو بسرقة أو بغيبة أو بربا أو بتبرج لكن أن يصل الأمر إلى العرض فهذا أخطر شيء تصاب به المرأة) ، فلما رجعت إلى بيتي ودخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلّم ثم قال: كيف تيكم؟ أي (لم يتغير من قبل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شيء ولكن الذي تغير أن عائشة علمت السبب الآن عرفت لماذا تغير حال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم معها) فقلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: نعم. قالت عائشة: وأنا حينئذ أريد أن استيقن الخبر من قبلهما (لأنها تستحي أن تسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم) ، فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ (وأمها أم رومان بنت عامر الكنانية) فقالت: يا بنيه هوني عليك فوالله لقل ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها قالت: فقلت: سبحان الله! أو لقد تحدث الناس بهذا؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع (أي لا ينقطع) ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي.

فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهما حين استلبث الوحي، (هذه الفترة يذكر أنها استمرت أكثر من شهر والناس يتكلمون في عائشة ويخوضون فيها والوحي منقطع، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يدري ما وقع وهذا يبين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعلم الغيب) ، يستأمرهما في فراق أهله، (أما علي رضي الله عنه فهو زوج ابنته وابن عمه وأقرب الناس إليه من حيث النسب وأما أسامة فهو تربى في بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو حب(بكسر الحاء) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن حبه فلذلك استشارهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقربهما من بيته ولمعرفتهما بعائشة رضي الله عنهم أجمعين)، أما أسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال: يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلا خيرا وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك (علي كأنه يميل إلى طلاقها من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فأسامة رضي الله عنه نظر في صالح عائشة ولذلك برأها وأما علي فنظر إلى صالح النبي صلى الله عليه وآله وسلم والهم الذي ركبه من هذه القضية) فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ قالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرًا أغمصه عليها (أي أعيبه) ، أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله (أي ثم أقول لعائشة: انتبهي للعجين حتى أذهب وآتي فتنام وتترك العجين فتأتي الداجن(وهي الحيوانات التي تعيش في البيت كالغنم والدجاج) فتأتي وتأكل العجين وذلك لأن عائشة جارية صغيرة).

فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبي بن سلول (أي طلب العذر في قتله لأنه هو الذي أشاع هذا الكلام عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا (يريد صفوان بن المعطل) ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي. فقام سعد بن معاذ الأنصاري وهو سيد الأوس رضي الله عنه فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت عائشة: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا ولكن احتملته الحمية (وكيف ذلك؟ عبد الله بن أبي بن سلول من الخزرج بل من كبار الخزرج بل كانوا سيتوجونه على الأوس والخزرج ملكًا فلما قال سعد بن معاذ إن كان من الأوس قتلناه وإن كان من الخزرج أمرتنا بأمرك غضب سعد بن عبادة وأخذته حمية الجاهلية هنا في هذه القضية) فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ وهو من الأوس فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنّه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، (أي هذا التصرف منك تصرف المنافقين وهذا يبين لنا أنه يجوز إطلاق كلمة المنافق على من تصرف تصرفات المنافقين أي في هذه الصفة وهذا يسمى النفاق العملي وليس النفاق الاعتقادي، تقول عائشة: فتساور الحيان(وفي رواية أخرى فتثاور الحيان، أي كاد يكون قتال) ، الأوس والخزرج حتى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله يخفّضهم (بضم الياء) حتى سكتوا وسكت، (وترك أمر عبد الله بن أبي بن سلول وذلك للمصلحة الراجحة) .

فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم فأصبح أبواي عندي وقد كنت بكيت ليلتين ويومًا يظنان، أن البكاء فالق كبدي فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليّ امرأة من الأنصار فجلست تبكي معي وهذا مما يهوّن على صاحب المصيبة أي إذا أصابت امرأة مصيبة فجاءت امرأة أخرى تبكي معها تهوّن عليها المصيبة بمشاركتها إياها ولذلك قالت الخنساء لما مات أخوها صخر:

ولولا كثرة الباكين حولي،،،، على إخوانهم لقتلت نفسي

وما يبكين مثل أخي ولكن،،،، أعزي النفس عنه بالتأسي

فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسلّم ثمّ جلس قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين جلس قال: أما بعد، ثم قال: يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت لأمي: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت أمها: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، (موقف عجيب وابتلاء من الله تبارك وتعالى لعائشة رضي الله عنها)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت