فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 316

لا تُعبد، اللهم إن شئت لم تُعبد بعد اليوم أبدا وبالغ في الابتهال ورفع يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فردّه عليه أبو بكر الصديق وقال حسبك يا رسول الله ألححت على ربك عند ذلك أوحى الله تبارك وتعالى إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب وأوحى الله تبارك وتعالى إلى رسوله أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين أي أنهم ردف لكم يساعدونكم فأغفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إغفاءة واحدة فقال أبشر يا أبا بكر هذا جبريل على ثناياه النقع (أي الغبار) ثمّ خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من باب العريش وهو يثب في الدرع ويقول سيهزم الجمع ويولون الدبر ثمّ أخذ حفنة من الحصباء (أي الحصى) فاستقبل بها قريشًا فقال شاهت الوجوه ورمى بها صلوات الله وسلامه عليه فما من أحد إلا وأصابه ما رماه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفي هذا قول الله تبارك وتعالى"وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"وشدّ المسلمون على الكفار فكان النصر. ولا بأس أن نذكر هنا بعض الحكايات منها ما وقع لعمير بن الحمام رضي الله عنه وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج إليهم وقال: والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة وكان يقول قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض فقام عمير بن الحمام فقال: يا رسول الله بخ، بخ (أي كأنه يقول طيب، طيب أو شيء جيد) فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: ما يحملك على قولك بخ، بخ؟ فقال: لا والله يا رسول الله إلا رجائي أن أكون من أهلها فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم مبشرًا له: فإنك من أهلها فأخرج تمرات رضي الله عنه وأرضاه فجعل يأكل منها ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمى التمرات ودخل وقاتل حتى قُتل رضي الله تبارك وتعالى عنه وأرضاه. قال ابن عباس رضي الله عنهما بينما رجل من المسلمين يشتد في اثر رجل من المشركين أمامه (يعني يجري خلفه) إذ سمع ضربة في السوط فوقه وصوت الفارس أقدم حيزوم فنظر إلى المشرك أمامه (أي خر صريعًا) فجاء الأنصاري فحدّث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة وقال أبو داود المازني رضي الله عنه إني لأتبع رجلًا من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قد قتله غيري وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا والعباس خرج مع المشركين وكان كارهًا فأسر قال: يا رسول الله أسرت العباس فقال العباس: لا والله ما هذا أسرني لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق (أي أبيض) وما أراه في القوم فقال الأنصاري أنا أسرته يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اسكت فقد أيدك الله بملك كريم وفي نهاية المعركة وهزيمة المشركين أخذ المشركون يفرون وقتل منهم من قتل وكان ممن قتل أبو جهل. قال عبد الرحمن بن عوف إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن إذ قالا لي: يا عم أرنا أبا جهل فقال: فما تصنعان به؟ قالا: أخبرنا أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انظروا إلى الغيرة على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شابان صغيران يغاران على عرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال عبد الرحمن بن عوف: والذي نفسي بيده لئن رأيته لأخبرنكما فقال أحدهما: والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا فتعجبت لذلك فلم أنشب أن رأيت أبا جهل يجول في الناس فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما أنا قتلته فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: هل مسحتما سيفيكما؟ فقالا: لا فنظر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى السيفين فقال: كلاكما قتله. فلما سقط أبو جهل جاءه عبد الله بن مسعود رضي الله تبارك وتعالى عنه فقال له: قد أخزاك الله يا عدو الله قال أبو جهل: (على ما كان من كفره وعناده إلا إنه كان من شجعان العرب) قال: هل فوق رجل قتلتموه ثمّ قال أبو جهل لعبد الله بن مسعود: أخبرني لمن الدائرة اليوم؟ قال: لله ولرسوله فقام عبدالله بن مسعود ووضع رجله على عنق أبي جهل فقال أبو جهل لعبد الله بن مسعود: لقد ارتقيت مرتقًا صعبًا يا رويعي الغنم (يعني أنت تضع قدمك علي) قال ابن مسعود فاحتززت رأسه عند ذلك ثمّ ذهب به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أي لما رأى الرأس) قال هذا فرعون هذه الأمة. وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله تبارك وتعالى عنه صديقًا لأمية بن خلف في مكة فلما كان يوم بدر مرّ عبد الرحمن بن عوف بأمية بن خلف وهو واقف مع ابنه آخذًا بيده ومع عبد الرحمن بن عوف أدراع قد استلبها وهو يحملها فلما رآها قال: هل لك في؟ فأنا خير من هذه الأدراع التي معك أي خذني أسيرًا معك ما رأيتك اليوم قط أما لكم حاجة في اللبن (يريد أن من أسره يفتدي هو عن نفسه بإبل كثيرة) فطرح عبد الرحمن بن عوف الأدراع وأخذهما يمشي بهما وقال أمية لعبد الرحمن: من الرجل منكم المعلم بريشة النعامة في صدره؟ قلت: ذاك حمزة بن عبد المطلب قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل قال عبد الرحمن: فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلالًا معي وكان أمية هو الذي يعذب بلال في مكة فقال بلال: رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا فقال عبد الرحمن بن عوف: أي بلال أسيري قال: لا نجوت إن نجا ثمّ صرخ بأعلى صوته يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا قال عبد الرحمن بن عوف فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة وأنا أذب عنه فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط فقلت انجُ بنفسك ولا نجاء لك فوالله ما أغني عنك شيئًا قال فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما فكان عبد الرحمن بن عوف يقول يرحم الله بلالًا ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري وله ذلك وقد استشهد من المسلمين من هذه المعركة أربعة عشر رجلًا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار أما كفار مكة فقتل منهم سبعون وأسر مثلهم وعامتهم من القادة والزعماء وعن أبي طلحة أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش فقذفوا في بئر يقال لها بدر ثم مشى صلوات الله وسلامه عليه في اليوم الثالث وجاء إلى بدر حتى قام على شفّة الركا (أي على وجه البئر) فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم يا فلان بن فلان، يا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يجيبون وهذا الحديث متفق عليه والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أحيا الله له أولئك القوم وأسمعهم كلامه وإلا فالمشهور عند أهل العلم أن الميت لا يسمع كلام الحي إلا كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله إنه ليسمع قرع نعالهم أما بعد ذلك فإنه مشغول بنفسه. قال ابن إسحاق وكان أول من قدم بمصاب قريش رجل يقال له الحيسمان بن عبدالله الخزاعي فقالوا له: ما وراءك؟ فقال: قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام (أي أبا جهل) وأمية بن خلف في رجال من الزعماء سمّاهم فلما أخذ يعدّ أشراف قريش قال صفوان بن أمية وهو عند الحِجر: والله إن يعقل هذا فاسألوه عني قالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟ قال: هاهو ذا جالس في الحجر قد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا. وهكذا تلقت مكة أنباء الهزيمة الساحقة في ميدان بدر ومن الطرائف أن رجلا يقال له الأسود بن المطلب أصيب ثلاثة من أبنائه يوم بدر وكان يحب أن يبكي عليهم وكان ضرير البصر فسمع ليلًا صوت نائحة فبعث غلامه وقال: انظر هل أحل النحيب؟ (يريد أن يبكي وكان عندهم ممنوع هذا الأمر حتى لا يذكّر الناس بهذه المصيبة) لَعَلّي أبكي على أبي حكيمة (يعني ابنه) فإن جوفي قد احترق فرجع الغلام فقال إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته فقال الأسود بن المطلب:

أتبكي أن يضل لها بعير،،،،،،،،، ويمنعها من النوم السهود

فلا تبكي على بكر ولكن،،،،،،، على بدر تقاصرت الجدود

على بدر سرات بني هصيص،،،،، ومخزوم ورهط أبي الوليد

وبكّي إن بكيت على عقيل،،،،، وبكّي حارثًا أسد الأسود

وبكّيهم ولا تسمي جميعًا،،،،،،، وما لأبي حكيمة من نديد

ألا قد ساد بعدهم رجال،،،،،،،، ولولا يوم بدر لم يسودوا

قال أسامة بن زيد أتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان النبي خلفني عليها مع عثمان (يعني خبر انتصار المسلمين في بدر) رضي الله عنهما من دفن رقية بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزوجة عثمان. ولما وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة استشار أصحابه في الأسرى فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت والله ما أرى ما رأى أبو بكر ولكن أرى أن تمكنني من فلان ذكر قريبًا له فأضرب عنقه وتمكن عليًا من عقيل بن أبي طالب فيضرب عنقه وتمكن حمزة من فلان فيضرب عنقه حتى يعلم الله تبارك وتعالى أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم فهوى النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أي اختار) ما قال أبو بكر وأخذ منهم الفداء فلما كان من الغد قال عمر: غدوت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر فإذا هما يبكيان فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاءًا بكيت وإن لم أجد بكاءًا تباكيت لبكائكما فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: للذي عُرض علي من أصحابك من أخذ الفداء لقد عُرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة وأشار إلى شجرة قريبة وأنزل الله جل وعلا"ما كان للنبي أي يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم"أي لكي يثخن في الأرض وأما الكتاب الذي سبق من الله تبارك وتعالى فهو قول الله جل وعلا"فإما منًّا بعد وإما فداءا".

وذلك أن قائد الجيش إذا أسر المشركين فهو مخير بين أربعة أمور:

أولا: إما أن يقتلهم

ثانيًا: وإما أن يفاديهم أي بمال أو مقابل أسرى أو ما شابه ذلك

ثالثًا: وإما أن يعفو عنهم يمن عليهم بدون مقابل

رابعًا: وإما أن يسترقهم أي يصيرون عبيدًا عند المسلمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت