واذا كان نبيهم صالح عليه السلام ترك هذه المدائن بعد نزول العذاب، فكيف لنا ان ندخلها لنكسر حجارتها، قال تعالى عن صالح عليه السلام: 'فتولى عنهم وقال يا قوم لقد ابلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، ولكن لا تحبون الناصحين'، قال الحافظ ابن كثير 'إخبار عن صالح عليه السلام انه خاطب قومه بعد هلاكهم، وقد اخذ في الذهاب عن محلتهم الى غيرها' البداية والنهاية (1/319) .
ومن يثر مثل هذه الشبهات فهو في الحقيقة مضاد لدعوة الرسل جميعا، فهل ارسل الله نوحا بعد ان كان الناس على الفطرة الا لاتخاذ الناس اصناما لهم، مع انهم اولا لم يكونوا يعبدونها، ثم جاء من بعدهم فعبدوها، قال تعالى عنهم 'وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا' فقال الله 'وقد اضلوا كثيرا'.
وكذلك ما يقع من الاصنام في بعض النواحي لا يجوز ان يستدل بها احد لأن الكتاب والسنة حاكمان على اعمال الناس، لا العكس، هذا من جهة، ومن جهة اخرى، فإن الانسان قد لا يحيط بحقيقة التاريخ في كل الازمنة الى يومنا الحاضر، إما لنقص علمه واما لفوات تدوين بعض الحوادث في كتب التاريخ، وهذا صنم ابي الهول في مصر ذكر المقريزي انه في سنة احدى عشرة وسبعمائة نزل امير يعرف ببلاط في نفر من الحجارين والقطاعين وكسروا الصنم، وذكر انه في زمنه ايضا شخص يعرف بالشيخ محمد صائم الدهر من جملة صوفية الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء قام في نحو من سنة ثمانين وسبعمائة سار الى الاهرام وشوه وجه ابي الهول وشعثه'. المواعظ والاعتبار (1/230) .
سادسا: عبدالغفار افتقد توازنه واضاع البوصلة
د.محمد عبدالغفار يبدو ان رد العلامة صالح الفوزان وقع عليه كالصاعقة فأفقده توازنه، واضاع بسببه البوصلة، ام انه هو كذلك عنده هذا الخلل الكبير في العقيدة والتوحيد.. فقد أبان د.محمد عبدالغفار عن نقص علمه في طروحاته وردوده لدرجة انه اراد التسوية بين المختلفين المفترقين، فصار يشكك في حكم الطواف بالقبور بمحاولة تسويته بمن يأتي اعضاء مجلس الامة لانجاز معاملاته الدنيوية في اروقة الوزارات فقال 'ما رأيكم بمن يسعى بين بيوت النواب والمسؤولين رغبة ورهبة وخوفا ورجاء هل هو مشرك فالدكتور محمد عبدالغفار يبدو انه لا يميز بين العبادات والمعاملات، فإتيان اعضاء مجلس الامة من باب المعاملات يا دكتور فهي معاملات دنيوية محضة، اما الطواف فإنه عبادة يا دكتور لا تكون الا بالكعبة، قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (5/413) عند قوله تعالى 'وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ان لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود) (الحج: 6) : 'فالطائف به معروف، وهو اخص العبادات عند البيت، فإنه لا يفعل ببقعة من الارض سواها'، فتأمل كلام شيخ المفسرين جيدا، وهو قوله 'فإنه لا يفعل ببقعة من الارض سواها'.
سابعا: تهويل مفضوح
بعد ان بينا فساد اعتراضه على فتيا العلامة الفوزان بمحاولة تشبيهه الطواف بالقبور بإتيان الناس لأعضاء مجلس الامة، أبين تهويله المفضوح في محاولة التأليب على فتوى العلامة الفوزان، فقد قال د.عبدالغفار 'ما رأيكم بمن يسعى بين بيوت النواب والمسؤولين رغبة ورهبة وحبا وخوفا ورجاء هو هو مشرك'، فتأمل ما اراد ان يلصق به العلامة الفوزان من قوله 'مشرك' ليؤجج المشاعر على العلامة الفوزان ويوهم بأسلوب ماكر بأنه ممن يكفر المسلمين، والعلامة الفوزان سلك طريقة الشرع في فتياه، واستعمل الفاظ الكتاب والسنة، فوصف العمل 'بالشرك' لمن تقرب بطوافه للميت ولم يقل ان فاعل ذلك 'مشرك'، وهذا نص فتياه ارجو ان يقرأها الجميع بتجرد حيث قال سماحة العلامة الفوزان حفظه الله 'الطواف حول الكعبة عبادة لله امر بها، وليست عبادة للبيت، واما الطواف بالقبر: فان قصد به عبادة الله فهو بدعة لان الله لم يأمر به، وهو وسيلة من وسائل الشرك، فما ذكره هذا القائل باطل، وان كان المقصود بالطواف حول القبر التقرب الى الميت فهو شرك اكبر'.
فالعلامة الفوزان قال 'شرك' ولم يقل عن فاعله 'مشرك' فهو عالم يعرف كيف يحترز في جوابه، خلافا للدكتور عبدالغفار حيث قال 'مشرك'!
فليس كل من وقعت منه هذه الامور العظيمة يحكم بكفره، فهناك فرق بين وصف العمل بالشرك او الكفر، ووصف العامل، فقد يكون العامل متأولا او ملبسا عليه جاهلا.
قال والدنا العلامة محمد الصالح العثيمين رحمه الله: 'وبناء على هذا يتبين حال كثيرمن المسلمين في بعض الاقطار الاسلامية، الذين يستغيثون بالاموات، وهم لا يعلمون ان هذا حرام، بل قد لبس عليهم ان هذا مما يقرب الى الله، وان هذا امر الله، وهم مقتفون للاسلام، وغيورون عليه، ويعتقدون ان ما يفعلونه من الاسلام، ولم يأت احد ينبههم، فهؤلاء معذورون لا يؤاخذون مؤاخذة المعاند الذي قال له العلماء هذا شرك، فيقول: هذا ما وجدت عليه آبائي واجدادي، فإن حكم هذا الاخير حكم من قال الله تعالى فيهم 'إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون' الشرح الممتع (6/194) .
واننا لنلحظ سعي اهل البدع في رد السنن، والاحكام الشرعية بدعوى محاربة التطرف، حتى انه لم يبق من سعيهم الا ان يقولوا ان من يقول النياحة على الميت كفر هو متطرف، ثم لعلهم ان يقنعوا الولاة بذلك، وقال قال النبي صلى الله عليه وسلم 'اثنان في امتي هم بهما كفر، النياحة على الميت والطعن في الانساب) فتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم 'كفر' ولم يقل فاعله كافر، لانه كفر عملي.
ثامنا: د. عبدالغفار مشكك غير ناصح
طالب العلم الناصح المخلص الصادق مع الله يوضح الحق ويرشد إليه ويدفع عنه التلبيسات وضد ذلك من يورد الشبهات والشكوك ويغطي الحق، والدكتورمحمد عبدالغفار في برنامج 'الحياة عبادة' قال: 'اهل الكتاب ما خاطبهم الله ب'كفار' وانما خاطبهم ب'يا أهل الكتاب' يعني عندهم علم سابق'، وهذا لا شك انه جناية على القرآن'، فالله في كتابه العزيز القرآن الكريم اذ ذكر اهل الكتاب نعتهم بالكفر، مباشرة ليعرف حكم الله فيهم، وليعلم الناس ان علمهم غير نافع، وهاتان آياتان على سبيل التذكرة، قال تعالى 'ان الذين كفروا من اهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها ابدا'، وقال تعالى 'لم يكن الذين كفروا من اهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة'، واما العلم الذي عندهم والتوراة والانجيل فقد اخبر الله انهم غيروا وحرفوا وبدلوا وكتموا، قال تعالى: 'يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير، قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين'، واما من اثنى الله عليهم من اليهود والنصارى في قوله تعالى: 'ان الذين آمنوا والذين هادوا والصائبين والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر، وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون'، فهم من آمن بنبيه بشريعته غير المبدلة قبل بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، اما بعد بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد قال صلى الله عليه وسلم: 'والذي نفسي بيده لا يسمع بي احد من هذه الامة من يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي الا دخل النار) رواه مسلم.
تاسعا: أي صوفية يريد عبدالغفار؟
'الصوفية' اصطلاح حادث لا وجود له في الكتاب والسنة، والواجب على اهل العلم استعمال الاصطلاحات الشرعية كالزهد، فقد جاء في الحديث الذي حسنه بعض اهل العلم: 'ازهد فيما عند الناس يحبك الناس'.
وملازمة الكتاب والسنة والزهد المشروع من الطاعات لا يسمى صوفية، وهنا لا بد من كشف اي صوفية يريد د. محمد عبدالغفار؟!
فهذا الرجل تلميعه لرموز الصوفية الغلاة المبتدعة دال على مراده عافانا الله، فهو يجاهر بمدح رأس الحلولية 'ابن عربي الطائي' وقد فعل ذلك في عام 2001 في مؤتمر بمناسبة اختيار الكويت عاصمة الثقافة العاربية في مقر الهيئة الخيرية الاسلامية العالمية، في مداخلة له واستخف بمن حذره منه، ونعت ابن عربي، بقوله: 'طود عظيم عقلا وثقافة شرعية وان كان كل انسان لا يخلو من الاخطاء'.
وحسبي هنا ان انقل كلام كبار العلماء في ابن عربي ليعرف القارئ الفرق بين احكام د. عبدالغفار واحكام العلماء الكبار الناصحين، فقد قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في ابن عربي: 'له الكتاب المسمى 'بفصوص الحكم' فيه اشياء كثيرة ظاهرها كفر صريح' البداية والنهاية (17/253) .
وقال الحافظ الذهبي، رحمه الله، فيه: 'ومن أردأ تواليفه كتاب 'الفصوص' فإن كان لا كفر فيه فما في الدنيا كفر، نسأل الله العفو والنجاة' سير اعلام النبلاء (23/48) .
عاشرا: الاستهزاء بأعضاء مجلس الامة مرفوض
الدكتور محمد الغفار في حواره مع صحيفة 'الرأي العام' بتاريخ 20/3/2006 قال لمحاوره 'من تسميهم بالاسلاميين كانوا في يوم من الايام يحرمون عضوية البرلمان - مجلس الامة، ويحرمون دخول الوزارات ويعتبرون ذلك طاغوتا واليوم يتقاتلون على هذين الامرين، وأسألهم بكل صراحة وقد سألت هذا السؤال احد اشد المتحمسين ضد حقوق المرأة، ماذا ستفعلون الآن بعد اقرار الحقوق السياسية للمرأة، هل ستمنعون نسائكم وبناتكم من التصويت، ام انكم تحلونه عاما وتحرمونه عاما' انتهى كلامه.
وهذا غاية في التهكم لا يخفى على عارف بمعنى 'تحلونه عاما وتحرمونه عاما' فهذه آية نزلت في المشركين الذين يغيرون ويؤخرون الاشهر الحرم عن تواريخها الكونية ليرتكبوا المحرمات، واعضاء مجلس الامة ومن هو خارج مجلس الامة لا يعبثون بالمحرمات على هذه الصفة التي رميتهم بها، وانما يستعملون هذه الوسائل من باب قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد وهذا موضع تختلف فيه الانظار، واخواننا اعضاء المجلس قد افتاهم كبار العلماء فهذا الاستخفاف مرفوض تماما.
واشد تهكما منه الاستهزاء بإسلام الناس حيث قال د. عبدالغفار 'من تسميهم اسلاميين'!
حادي عشر: الاستهزاء بالدعاة مرفوض
الدكتور محمد عبدالغفار في حواره مع جريدة الانباء بتاريخ 26/10/2004، استهزأ بأهل الفتيا من الدعاة الذين يظهرون في وسائل الإعلام وقال: 'بعض الدعاة اصبحت تغريهم بهرجة وسائل الاعلام المرئية فأصبحوا يفتون بما يطلبه المشاهدون، وليس ما يوجه المسلمين، مشددا على ان 'هذا خطأ كبير، لاننا لسنا برنامج 'ما يطلبه المستمعون'، ولكننا هنا لنبين دين الله بما يوافق الكتاب والسنة والمصالح العامة المشتركة للناس وإلا لأهلكنا الناس'. فهذه الجناية من د. محمد عبدالغفار.. لكي نعذره على الاقل عليها، تعين عليه ان يذكر فتاوى هؤلاء ويرد عليها من الكتاب والسنة حتى يتبين الناس أنهم ينطبق عليهم قوله فيهم 'يفتون بما يطلبه المشاهدون'، ناهيك ان من المشاهدين من يستطيع ان يعامل د. محمد عبدالغفار من جنس استهزائه، ويقول 'د. محمد عبدالغفار يفتي بما يطلبه أهل الكتاب'.
ثاني عشر: العلامة الفارقة للدكتور محمد عبد الغفار
التقيت بالعميد أ.د. محمد الطبطبائي في كلية الشريعة بعد الضجة التي اثارها د. محمد عبدالغفار في برنامج 'الحياة عبادة'، وسألته عن رأيه في كلام د. عبدالغفار في البرنامج، فأجاب 'بأنه لم يسبق إلى ذلك'.
ونظرا لأن أ.د. الطبطبائي قد عمل معه سويا لسنوات فسألته بعد ذلك سؤالا آخر، وقلت له: ما منهج د. محمد عبدالغفار؟ فأجاب: 'المضادة للسلفيين'، وكفى بالعميد الحالي شاهدا على العميد السابق.