…قلت: ولا يصح في إباحة المدينة شيء ، وسوف نورد فيما يلي هذه الروايات التي حصرها الدكتور عبد العزيز نور - جزاه الله خيرًا - في كتابه المفيد"أثر التشيع على الروايات التاريخية في القرن الأول الهجري - والتي نقلها من كتب التاريخ المعتمدة التي عنيت بهذه الوقعة (1) [22] :"
…نقل ابن سعد خبر الحرة عن الواقدي (2) [23] . ونقل البلاذري عن هشام الكلبي عن أبي مخنف نصًا واحدًا (3) [24] ، وعن الواقدي ثلاثة نصوص (4) [25] . ونقل الطبري عن هشام الكلبي أربعة عشر مرة (5) [26] ، وهشام الكلبي الشيعي ينقل أحيانًا من مصدر شيعي آخر وهو أبو مخنف حيث نقل عنه في خمسة مواضع (6) [27] .ونقل الطبري عن أبي مخنف مباشرة مرة واحدة (7) [28] . وعن الواقدي مرتين (8) [29] . واعتمد أبو العرب على الواقدي فقط ، فقد نقل عنه أربعًا وعشرين مرة (9) [30] .ونقل الذهبي نصين عن الواقدي (10) [31] . وذكرها البيهقي من طريق عبد الله بن جعفر عن يعقوب بن سفيان الفسوي (11) [32] . وأول من أشار إلى انتهاك الأعراض هو المدائني المتوفى سنة 225هـ (12) [33] ويعتبر ابن الجوزي أول من أورد هذا الخبر في تاريخه (13) [34] .
قلت: ممّا سبق بيانه يتضح أن الاعتماد في نقل هذه الروايات تكمن في الواقدي ، وهشام الكلبي ، وأبي مخنف ، بالإضافة إلى رواية البيهقي التي من طريق عبد الله بن جعفر .
…أما الروايات التي جاءت من طريق الواقدي فهي تالفة ، فالواقدي قال عنه ابن معين:"ليس بشيء" (14) [35] . وقال البخاري:"سكتوا عنه ، تركه أحمد وابن نمير" (15) [36] . وقال أبو حاتم و النسائي:"متروك الحديث" (16) [37] .وقال أبو زرعة:"ضعيف" (17) [38] .
…أما الروايات التي من طريق أبي مخنف ، فقد قال عنه ابن معين:"ليس بثقة"، وقال أبو حاتم:"متروك الحديث" (18) [39] . وقال النسائي:"إخباري ضعيف" (19) [40] . وقال ابن عدي:"حدث بأخبار من تقدم من السلف الصالحين ، ولا يبعد أن يتناولهم ، وهو شيعي محترق ، صاحب أخبارهم ، وإنما وصفته لأستغني عن ذكر حديثه ، فإني لا أعلم له منة الأحاديث المسندة ما أذكره ، وإنما له من الأخبار المكروهة الذي لا أستحب ذكره" (20) [41] . وأورده الذهبي في"ديوان الضعفاء"و"المغني في الضعفاء" (21) [42] . وقال الحافظ:"إخباري تالف" (22) [43] .
مناقشة الروايات التي جاء فيها هتك الأعراض:…
أما الروايات التي جاء فيها هتك الأعراض ، وهي التي أخرجها ابن الجوزي من طريق المدائني عن أبي قرة عن هشام بن حسّان: ولدت ألف امرأة بعد الحرة من غير زوج ، والرواية الأخرى التي أخرجها البيهقي في دلائل النبوة من طريق يعقوب بن سفيان: قال: حدثنا يوسف بن موسى حدثنا جرير عن المغيرة قال: أنهب مسرف بن عقبة المدينة ثلاثة أيام . فزعم المغيرة أنه افتض ألف عذراء ، فالروايتان لا تصحان للعلل التالية:
…- أما رواية المدائني فقد قال الشيباني:"ذكر ابن الجوزي حين نقل الخبر أنه نقله من كتاب الحرّة للمدائني (23) [44] ، وهنا يبرز سؤال ملح: وهو لماذا الطبري والبلاذري ، وخليفة وابن سعد وغيرهم ، لم يوردوا هذا الخبر في كتبهم ، وهم قد نقلوا عن المدائني في كثير من المواضع من تآليفهم ؟ قد يكون هذا الخبر أُقحم في تآليف المدائني ، وخاصة أن كتب المدائني منتشرة في بلاد العراق ، وفيها نسبة لا يستهان بها من الرافضة ، وقد كانت لهم دول سيطرت على بلاد العراق ، وبلاد الشام ، ومصر في آن واحد ، وذلك في القرن الرابع الهجري ، أي قبل ولادة ابن الجوزي رحمه الله ، ثم إن كتب المدائني ينقل منها وجادة بدون إسناد"ا.هـ. (24) [45]
…- في إسناد البيهقي عبد الله بن جعفر ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال ( 2/400) وقال:"قال الخطيب سمعت اللالكائي ذكره وضعفه . وسألت البرقاني عنه فقال: ضعّفوه لأنه روى التاريخ عن يعقوب أنكروا ذلك ، وقالوا: إنما حديث يعقوب بالكتاب قديمًا فمتى سمع منه؟"ا.هـ.
-راوي الخبر هو: المغيرة بن مقسم ، من الطبقة التي عاصرت صغار التابعين ،ولم يكتب لهم سماع من الصحابة ، وتوفي سنة 136هـ ، فهو لم يشهد الحادثة فروايته للخبر مرسلة .
-كذلك المغيرة بن مقسم مدلس ، ذكره ابن حجر في الطبقة الثالثة من المدلسين الذين لا يحتج بهم إلا إذا صرحوا بالسماع .
-الراوي عن المغيرة هو عبد الحميد بن قرط ، اختلط قبل موته ، ولا نعلم متى نقل الخبر هل هو قبل الاختلاط أم بعد الاختلاط (25) [46] ، فالدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال .
-الرواية السالفة روِيَت بصيغة التضعيف ، والتشكيك بمدى مصداقيتها:"زعم المغيرة - راوي الخبر - أنه افتض فيها ألف عذراء ."
-أمّا الرواية الأخرى التي جاء فيها وقوع الاغتصاب ، هي ما ذكرها ابن الجوزي أن محمد بن ناصر ساق بإسناده عن المدائني عن أبي عبد الرحمن القرشي عن خالد الكندي عن عمّته أم الهيثم بنت يزيد قالت:"رأيت امرأة من قريش تطوف ، فعرض لها أسود فعانقته وقبّلته ، فقلت: يا أمة الله أتفعلين بهذا الأسود ؟ فقالت: هو ابني وقع عليّ أبوه يوم الحرة (26) [47] "ا.هـ.
-خالد الكندي وعمّته لم أعثر لهما على ترجمة .
-أمّا الرواية التي ذكرها ابن حجر في الإصابة (27) [48] أن الزبير بن بكار قال: حدثني عمّي قال: كان ابن مطيع من رجال قريش شجاعة ونجدة ، وجلدًا فلما انهزم أهل الحرة وقتل ابن حنظلة وفرّ ابن مطيع ونجا ، توارى في بيت امرأة ، فلما هجم أهل الشام على المدينة في بيوتهم ونهبوهم ، دخل رجل من أهل الشام دار المرأة التي توارى فيه ابن مطيع ، فرأى المرأة فأعجبته فواثبها ، فامتنعت منه ، فصرعها ، فاطلع ابن مطيع على ذلك فخلّصها منه وقتله""
-وهذه الرواية منقطعة ، فرواوي القصة هو مصعب الزبيري المتوفى سنة 236هـ ، والحرة كانت في سنة 63هـ ، فيكون بينه وبين الحرة زمن طويل ومفاوز بعيدة .
قلت:فلم نجد لهم رواية ثابتة جاءت من طريق صحيح لإثبات إباحة المدينة ،بالرغم من أنّ شيخ الإسلام ابن تيمية (28) [49] ، والحافظ ابن حجر (29) [50] - رحمهما الله - قد أقراّ بوقوع الاغتصاب ، ومع ذلك لم يوردا مصادرهم التي استقيا منها معلوماتهما تلك ، ولا يمكننا التعويل على قول هذين الإمامين دون ذكر الإسناد ، فمن أراد أن يحتج بأي خبر كان فلا بد من ذكر إسناده ، وهو ما أكده شيخ الإسلام ابن تيميّه حينما قال في المنهاج:"لا بد من ذكر ( الإسناد ) أولًا ، فلو أراد إنسان أن يحتج بنقل لا يعرف إسناده في جُرْزَةِ (30) [51] بقل لم يقبل منه ، فكيف يحتج به في مسائل الأصول"
القسم: التصنيف الرئيسي » مشايخ وطلبة علم » الأخ الفاضل سعود الزمانان
عدد القراء: 6469
تاريخ الموضوع: 18 - مارس - 2003 ميلادية