فهرس الكتاب
ومعنى التجريد من الزمان هو أن يبرأ المدلول عليه من زمان يلحقه، فإن التجريد من البياض هو التبرئة عن بياض لاحق، أعنى أن التجريد هو تبرئة عن شىء لو لم يبرأ عنه لكان لاحقًا من خارج. وإذا قيل جُرِّد فلان عن الثوب، عنى به أنه أبين بينه وبين الثوب الذى لو لم يَبِنلكان ذلك الثوب لا حقا له، لا ذاته ولا جزء حدِّ له؛ فإن الشىء لا يقال إنه تجرد عن ذاته أو عن جزء حدِّ له؛ فإن من قال إن الإنسان قد يتجرد عن الإنسانية قال شططًا إلا أن يعنى أن مادة الإنسانية قد جُرِّدت عن الإنسانية. فحينئذ الإنسانية تكون أمرًا خارجًا عنها أيضًا وكذلك إن قال إن الإنسان تجرد عن الحيوانية كان محالا، إلا أَن يعنى الوجه المذكور.
فمعنى قولهم"مجرّد عن الزمان"هو أَن لا يدل معه على زمان يلحقه من الأزمنة كان لحوقه به صدقًا أَو كذبا. فلفظ الزمان يدل على معنى هو الزمان ومجردًا عن زمان تدل اللفظة على أَنه كان فيه الزمان ولفظ المتقدم يدل على معنى يوجد في حده الزمان لكنه مجرد الدلالة عن الزمان اللاحق إياه من خارج حتى إذا قيل تقدم دل حينئذ على متقدم في زمان لحقه وتعين له وسواء كان هذا حقًا أَو كذبًا؛ فإِن العبرة لدلالة اللفظ من حيث هى دلالة لفظ لا من حيث هى صدق أَو كذب. وكذلك أَمس هو نفسه زمان ما وكذلك ما يجرى مجراه. وإذا شئت أَن تعلم أَن التجريد إنما يقصد به أَن يدل على معنى ولا تقترن به الدلالة على الزمان الملحق به فتأمل حد الكلمة.
(ج) فصل
وأما الكلمة فإنها تدل مع ما تدل عليه على زمان، وليس واحد من أجزائها يدل على انفراده وهو أبدًا دليل على ما يقال على غيره. فتكون الكلمة لفظة دالة بتواطؤ يدل مع ما تدل عليه على زمان وسائر ما قيل. فتأمل أن الكلمة جعلت دلالتها على شىء وعلى زمان مقترن به معه ليس هو هو ولا جزء منه. وإذ كان مالا يدل بالتجريد هكذا صورته، فما يدل بالتجريد صورته ماذكرناه. وفسر هذا في التعليم الأول، فقيل: إن معنى هذا هو أن قولنا صح يفارق قولنا صحة، بأن الصحة تدل على معنى ولا تدل على زمان مقترن به، وأما صح فيدل على صحة موجودة في زمان. والكلمة هى ما يسميها أصحاب النظر في لغة العرب فعلا، وقد كانت الكلمة في الوضع الأول عند اليونانيين إنما تدل من الزمان على الزمان الحاضر، ثم إذا أريد أن يدل بهذا على الزمان الماضى أو المستقبل قرن بها زيادة مع حفظ الأصل. وأما العرب فلم تجر لهم العادة بإفراد كلمة للحاضر، فإن شكل الكلمة التى للمستقبل هو بعينه شكل الكلمة التى للحاضر، فيقال: إن زيدا يمشى أى في الحال ويمشى أى في الاستقبال، فإِذا حاولوا زيادة البيان قالوا: إن زيدا هو ذا يمشى فاقتضى الحال، أو قالوا سيمشى أو سوف يمشى فاقتضى الاستقبال، ويكون ذلك بإلحاق يلحق به.
وربما استعاروا له من الماضى فقالوا: إن زيدا صح كما يكون قد أتاه البرء، ويقال: صح أيضًا لما هو فيما سلف لكن موضوع صح للماضى وموضوع يمشى للاستقبال. وليس للحال شكل خاص، وأما أنه ماش وأنه صحيح فليس كلمة، بل اسمًا مشتقًا. فها هنا اسم موضوع واسم مشتق وكلمة، فالاسم الموضوع يدل على ما قيل ولا يدل على موضوع ألبتة، وأما الاسم المشتق فيدل على موضوع غير معين وجد له أمر مشتق له منه الاسم، فيكون دالا على معنى وأمر وعلى موضوع له غير معين وعلى نسبة بينهما.
مثال ذلك قولك: ماش، فإنه يدل على المشى وعلى موضوع غير معين وعلى أن المشى له. وأما الكلمة فتدل مع ذلك على زمان، وهو زمان النسبة، كقولك: يمشى، فإنه يدل على المشى، وعلى موضوع غير معين، وعلى وجود المشى له، وعلى كون ذلك في المستقبل. وليس كل ما يسمى في اللغة العربية فعلا هو كلمة، فإن قولهم: أمشى ويمشى فعل عندهم، وليس كلمة مطلقة؛ وذلك لأن الهمزة دلت على موضوع خاص، وكذلك التاء. فصار قولك: أمشى أو مشيت صدقا أو كذبا، وكذلك يمشى ومشيت. وكأن ذلك في حكم قولك أنا أمشى، وأنت تمشى وأنا مشيت، ومفهومها مفهوم واحد.