فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 781

فالذى يجب أن نقول في ذلك كله أولا فإنه لا اعتبار في صناعة المنطق بما يكون بحسب لغة لغة ووضع وضع، فربما يتفق في لغة من اللغات أن يجعل للمعنى المؤلف لفظ مفرد لا يدل جزء من معناه فيكون اللفظ مفردا 0 ثم تكون لغة أخرى لم يوضع فيها لذلك المعنى المؤلف اسم مفرد ولايدل عليه إلا بلفظ مركب، فإذا ترجم معنى اللفظ إالى اللغة الأخرى لم يوجد لفظه إلا مركبا، وذلك مثل الجاهل فإنه لفظ مفرد لايدل عليه بالفارسية بلفظ مفرد، بل لفظ فيه تركيب من لفظين: أحدهما يدل على العدم، والآخر على العلم أو العالم 0 فيقال (( نادان ) )فلا يجب أن يلتفت المنطقى في ذللك وما أشبهه ألى لغة معينة، بل يعلم أن لهذا المعنى أن يدل عليه بلفظ مفرد 0 فكذلك حال الكلمات في لغة العرب، فإن الماضى من الكلمات في العربية وغيرها لم يدل جزء منه على موضوع البتة كقولهم: صح، وقولهم: مشى، وكذلك المستقبل في لعة الفرس كما يقال (( بكنذ ) )فإنه ليس فيه دلالة بجزء منه على الموضوع الغير معين ألبتة وفى بعض المواضع، فإن لغة الفرس لا تستعمل كلمة مفردة بل يقولون مثلا حيث نقول يصح درست شود كما إذا ترجم كان مطابقا لقولنا (( يصير صحيحا ) )، فيأخذون الاسم ويقرنون به كلمة زمانية ويجعلون جملته قائما مقام الكلمة. فلو كان جميع لغة الفرس علة هذه الصفة اضطر المترجمون لا محال إلى الدلالة على الكلمة المستقبلة بلفظ مؤلف فكان قد يسبق إلى بعض الأوهام أن الكلمة المستقبلة مؤلفة وليست كلمة مستقبلة مفردة كما كان قد يسبق إليه في مثله أن الجاهل ليس له اسم مفرد. وإذا لم يكن النظر المنطقى بحسب لغة لغة حتى إنه إذا لك يكن في لغة من اللغات كلمة تدل على الحاضر ضر المنطقين ذلك في الدلالة على أقسام الكلمات الثلاث فكذلك لا يضر المنطقيين تعارف أهل اللغة في أَن لا يكون لها كلمة، بل يكون لها بدل الكلمة اسم مقرون بلفظ آخر يدل على ما تدل عليه الكلمة، بل يجب أن يعتبر منطقى ما يوجبه الحد، وهو ممكن أن يقع في اللغة. فإنه لا محالة من الممكن أن يكون لفظ دال بتواطؤ على معنى وزمانه وهو مفرد، فذلك هو الكلمة، فإن لم يكن في لغة العرب فلا حرج. وأما حديث الهيئة التى اقترنت بمادة حروف المشى في مشى أو في ماش فكان جزءا من الجملة يدل على موضوع، فلا يجب أن يلتفت إلى مثل هذا الجزء، فإنه إِنما يعنى بالجزء ها هنا جزء من جملة أجزاء تترتب فتلتئم منها الجملة فهى أجزاء المسموع ألفاظا أو مقاطع أو حروفا مصوتة أو غير مصوتة. وبعد ذلك، فإن ما ادعوه من وجود الصدق في قولنا (( يمشي ) )وأنه في قوة قولنا إِن شيئا مّا يمشى فهو غلط؛ وذلك لأن قولنا (( يمشى ) )وإن كان فيه تركيب بحسب لغة العرب، وكانت الياء منه تدل على موضوع غير معين فليس معنى قولنا موضوع غير معين أنه يدل على أى واحد اتفق من أمور هى تحت كلى من الكليات على الوجه الذى ذكر في تمثيل الإنسان بل يعنى به أن الياء تدل على أن له موضوعا متعينا في نفسه دون غيره، وإن كان لم يتعين وهو غائب، ويحتاج أن يفسر ويدل عليه فيتعين، فإن النسبة موجه إليه فهو غير معين من وجه ومعين من وجه. فإن القائل إذا قال (( يمشى ) )ليس يريد بهذا أن المشى موجود في واحد من أمور العالم، أى شئ كان، حتى يكون كأنه يقول إن شيئا من الأشياء التى في العالم موجود له المشى أى شئ كان. فإنه إن عنى بيمشى هذا المعنى كان قوله يمشى يكون صادقا إن كان في العالم شئ يمشى ويكون كاذبا إن لم يكن في العالم شئ يمشى إذا أخذ يمشى على أن معناه معنى الحكم بأن شيئا من العالم يمشى. وذلك أن قولك: شئ من العالم يمشى يحتمل معنيين: أحدهما الشئ من العالم الموصوف بأن له مشيا في زمان كذا؛ فيكون هذا التركيب تركيب تقييد لا تركيب حمل ولا صدق فيه ولا كذب، والثانى هو أن شيئا من العالم يحكم عليه بأنه يمشى. وأولهما لا يدخل فيه في لغة العرب إن، وأما الآخر فقد يدخل فيه. وليس أحدهما مدلولا عليه بلفظ يمشى وذلك لأن الشئ من العالم الموصوف بأنه يمشى إذا دل عليه بلفظ مفرد كان ذلك اسما ولم يكن كلمة، ويصح أن يحمل على زيد حمل الاسم، وأما الآخر فإنه لا يحمل على زيد البتة ولا هو في قوة اسم مفرد. فقد بان أن معنى يمشى ليس هو على الوجه الذى يدخله الصدق والكذب، فليس كونه دالا على معنى غير معين من هذا القبيل، بل دلالته على المعنى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت