فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 781

ونحتاج الآن أن نقدم لتحقيق ما يجب من التحقيق من هذا الباب أصولا. فنقول: إن حقيقة الإيجاب هو الحكم بوجود المحمول للموضوع، ومستحيل أن يحكم على غير الموجود بأن شيئًا موجودًا له، فكل موضوع للإيجاب فهو موجود إما في الأعيان وإما في الذهن. فأنه إذا قال قائل: إن كل ذى عشرين قاعدة كذا، فإنه يعنى بذلك أن كل ذى عشرين قاعدة يوجد كيف كان، فهو كذا؛ ليس معنى ذلك أن كل ذى عشرين قاعدة من المعدوم يوجد له في حال عدمه أنه كذا فإنه إذا كان معدومًا فصفاته معدومة، إذ ليس يجوز أن يكون معدومًا وصفاته موجودة، وإذا كان معدومًا فكيف يحكم بأنه يوجد إلا عند قوم يهوشون أنفسهم فيجوزن أن يكون للمعدوم صفات حاصلة ولا تكون موجودة ويكون الحاصل عندهم غير الموجود. وكلامنا في المفهوم من الحاصل ولا نريد بالمفهوم من الموجود غيره، ولهم أن يريدوا بالموجود ما شاءوا، بل الذهن يحكم على الأشياء بالإيجاب على أنها في أَنفسها ووجودها يوجد لها المحمول أَو أَنها تعقل في الذهن موجودًا لها المحمول، لا من حيث هى في الذهن فقط بل على أَنها إذا وجدت وجد لها هذا المحمول. فإن كان لا وجود للشئ وقت الحكم إلا في الذهن، فحينئذ من المحال أَن نقول إن ب منه مثلا موجودًا له أَنه آ ليس في الذهن، بل في نفس الأمر، وليس هو في نفس الأمر موجودًا، فكيف يوجد له شئ. ومفهوم الإيجاب والإثبات ثبوت حكم لشئ وهذا هو وجوده له، كما أن مفهوم السلب هو لا ثبوت حكم لشئ، وهذا هو عدمه لا محالة. فبيِّن من هذا أنه لا إيجاب ألبتة إلا على موضوع حاله ماذكرنا. فأما الأشياء التى لا وجود لها بوجه، فإن الإثبات الذى ربما استعمل عليها حين يرى أن الذهن يحكم عليها بأنها كذا، معناه أنها لو كانت موجودة وجودها في الذهن لكان كذا؛ وهذا كما يقال إن الخلاء أبعاد. فأما السلب فقد يحق على الموجود والمعدوم، فالفرق المقدم بين السالبة البسيطة والموجبة المعدولية أن موضوع السالبة البسيطة قد يكون موجودًا وقد يكون معدومًا ويصح السلب عنه من حيث هو معدوم، وأما موضوع الموجبة المعدولية فلا يصح أن يوجب عليه وهو معدوم. ثم إن قومًا حاولوا بعد هذا أن يفرقوا بين الموجبة المعدولية وبين السالبة البسيطة بأن جعلوا المعدولية تدل على عدم أمر من شأنه أن يكون موجودًا في الجنس القريب أو البعيد أو في النوع، حتى قالوا: إن قولنا: لا عادل، إنما يصح على عادم العدل وفى طبيعته أن يكون عادلا أو في طبيعة جنسه كقولهم للبهيمة إنها غير ناطقة أَو للنفس الناطقة إنها غير جسم، والمعنيان موجودان في جنسهما. وقوم قالوا: إن غير العادل هو بإزاء الجائر والمتوسط، وإن غير البصير إنما هو بإزاء الأعمى، فسواء قلت غير بصير أو قلت أَعمى، حتى لا يصح أَن يقال للخَلُدْ عندهم إنه غير بصير؛ فهذا ما يقولونه. فأما القول الحق فبين من مثال نمثله. فنقول: إنا إذا قلنا كل جسم فإنه غير موجود في موضوع، وكل ما هو غير موجود في موضوع فهو جوهر، فكل جسم جوهر؛ كان ما أنتجناه لازما. ومعلوم أن القضيتين موجبتان، ولفظ غير مأخوذة جزءا من المحمول، ولذلك تكررت جزءا للموضوع، ونتج ما نتج. ومع ذلك فإن غير الموجود في موضوع ليس يشير إلى عدم شئ موجود في جنس الجوهر بوجه من الوجوه إذ لا جنس للجوهر اللهم إلا أن يوجد الموجود كالجنس. فإن فعل هذا وجعل دلالة المعدول على عدم مّا من شأنه أن يوجد في جملة الوجود كان هذا أقرب إلى الحق بل المعدول هو الذى حرف السلب جزء من محموله كيف كان. فإذا أخذنا حرف السلب مع الذى لو انفرد كان محمولا وحده أخذا كشئ واحد، ثم أثبتناه على الموضوع برابطة الإثبات، كانت القضية موجبة من حيث تأليفها؛ فأما المادة وكيفيتها فهو أمر آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت