فهرس الكتاب
وقد سمعوا في تعليم المقولات وبعده أن لفظ اللا إنسان ليس يختص بشئ دون شئ، وليس يختص بما وجد دون ما عدم، أو أنه يصلح أن يجعل محمولا. فما كان يجب أن يشكل هذا الأمر فيه، وإنما أوجبنا أن يكون الموضوع في القضايا الإيجابية المعدولية، لا لأن نفس قولنا غير عادل يقتضى ذلك، ولكن لأن الإيجاب يقتضى ذلك في أن يصدق سواء كان نفس غير عادل يقع على الموجود والمعدوم أو لا يقع إلا على الموجود. فيجب أن يعلم أن الفرق بين قولنا كذا يوجد غير كذا وبين قولنا كذا ليس يوجد كذا، أن السالبة البسيطة أعم من الموجبة المعدولية، في أنها تصدق على المعدوم من حيث هو معدوم، ولا تصدق الموجبة المعدولية على ذلك فإِنه يصدق أن يقال: إن العنقاء ليس هو بصيرا، ولا يصدق أن يقال: إن العنقاء يوجد غير بصير. هذا على أن العنقاء اسم يدل على معنى في الوهم، ولا وجود له في الأعيان.
وبعد هذا فنقول: إن كل محمول بسيط محصل، فإما أن يكون له ضد، أو لا يكون. فإن كان له ضد، فاما أن يكون بينهما متوسط، أو لا يكون. والموضوع لا يخلو إما أن يكون موجودا، أو معدوما مأخوذا من حيث هو معدوم. فإِن كان موجودا وفرض بإِزائه شىء كالمحمول فإما أن يكون ذلك موجودا فيه، أو ضده، أو واسطة إن كانت أو تكون كلاهما جميعا بالقوة مثل الجرو الذى لم يفقح فإن العمى والبصر كليهما فيه بالقوة، أو يكون غير قابل ولا لواحد منهما مثل النفس للبياض والسواد والوسائط. فإِذا قلنا: زيد ليس يوجد عادلا، فإنه يكذب إذا كان عادلا فقط ويصدق في البواقى. وإما إذا قلنا: زيد يوجد لا عادلا، فإنه يصدق إذا كان جائرا أو متوسطا أو كليهما بالقوة أو غير قابل لهما على اختلاف الآراء فيه، ويكذب إِذا كان عادلا أو معدوما. وقد جرت عادتهم بأن يسموا أخس المتقابلين عند الجمهور وفى ظاهر المشهور في مثل هذا الموضع عدما، سواء كان بالحقيقة عدما كالعمى والظلمة، أو كان ضدا كالجور. فالموجبة العدمية تقع في حيز الموجبة المعدولية والسالبة البسيطة، فيكون حال العدميتين عند المعدولتين أن الموجبة منهما تشارك الموجبة المعدولية، والسالبة تشارك السالبة المعدولية. فإن الموجبة المعدولية تصدق على الموجبة العدمية، ولا ينعكس، لأن الموجبة المعدولية أعم من الموجبة العدمية؛ لكن السالبةالعدمية تصدق على السالبة المعدولية، ولا ينعكس. فإنه إذا صدق قولنا إن زيدا ليس يوجد لا عادلا، صدق قولنا إن زيدا ليس يوجد جائرا، ولا ينعكس. فإِنه ليس إذا صدق قولنا إن زيدا ليس يوجد جائرا، صدق أنه ليس يوجد لا عادلا، فإن هذا يصدق في المختلط وفى الذى بالقوة وفى غير القابل، ولا يصدق الأول عليه. فحال العدميتين عند المعدولتين أن الايجاب يطابق الإيجاب والسلب يطابق السلب وإن اختلفا في العموم والخصوص، وحال العدميتين عند البسيطتين أن السلب يطابق الإيجاب والإيجاب يطابق السلب. وهذا لوح هذه المخصوصات بأحكامها: ( اَ ) زيد يوجد عادلا ( بَ ) زيد ليس يوجد عادلا يصدق في الجميع إلا في واحد يصدق إذا كان عادلا فقط فيصدق إذاكان معدوما وجائرا ومختلطا وبالقوة ولا بالقوة ويكذب فيما سوى ذلك ويكذب إذا كان عادلا ( جَ ) زيد ليس يوجد لا عادلا ( دَ ) زيد يوجد لا عادلا يصدق إذاكان عادلا أو معدوما يكذب إذا كان عادلا أومعدوما ويكذب في البواقى ويصدق في البواقى ( ه ) زيد ليس يوجد جائرا ( وَ ) زيد يوجد جائرا يكذب إذا كان جائرا ويصدق إذا كان معدوما أو عادلا يصدق في واحدفقط إذاكان جائرا أو مختلطا أو بالقوة أو لا بالقوة ويكذب في البواقى فقد بين لك أَن اثنين حالهما عند العدميين كحال الإيجاب والسلب عندهما، واثنين ليس كذلك. وأما أَن الموجب في كل واحد منهما صدقة في واحد والسالب كذبه في واحد، فهو مما يتشابه فيه العدميتان والبسيطتان وتختلف به العدميتان والمعدوليتان.