فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 781

إن القضية الحملية إنما تكون واحدة إذا كان فيها محمول لموضوع واحد، فإن تكثر الموضوع والمحمول واحد كقولنا: الفرس والإنسان حيوان، أو تكثر المحمول والموضوع واحد كقولنا: زيد كاتب وطويل، فإن القضية لا تكون واحدة، بل الأول من المثالين قضيتان إحداهما أن الفرس حيوان والأخرى أن الإنسان حيوان، والثانى أيضا قضيتان إحداهما زيد كاتب والأخرى زيد طويل. فأما إن اتفق أن كان في الموضوع أو المحمول تكثر باللفظ، وكان هناك تأليف لفظى لكنه يؤدى بالجملة إلى أن يكون منه معنى واحد، لم يؤد تكثر اللفظ إلى تكثير المعنى، مثل قولك: إن الإنسان حى ناطق ميت، أى إن الإنسان شىء هو الحى الذى هو الناطق الذى هو الميت؛ فهذه الجملة محمول واحد بالحقيقة، وكذلك إِذا قلت الحيوان الناطق المايت قابل للكتابة. وأما إذا كانت المعانى متباينة، لا تجتمع طبيعة واحدة كالإنسان الأبيض المشاء، فإذا قلت زيد إنسان أبيض مشاء فما حملت عليه معنى واحدًا، فإن هذه الثلاثة أمور لا يتقيد في الطبع بعضها ببعض حتى تتخذ طبيعة واحدة، ولذلك فإِن القضية لا تكون واحدة. فهذا هو ما يقال، ولكننى لا أضايق في أمثال هذا مضايقة كثيرة ألبتة، فإنى أجوز أن يجعل هذا قضية واحدة حتى يكون زيد الشىء الذى هو موصوف باجتماع هذه فيه، ولى أن أضع لذلك اسمًا واحدا من حيث هو جملة فيكون حمل ذلك الاسم. ولتكن الجيم مثلا تدل على مجموع هذه حتى تكون جَ الذى هو الشىء الموصوف بأنه مشاء، والمشاء الذى هو أبيض، فيكونإذا قلت زيد جَ فهمت أنه مجموع هذه، ولم يكن بد من أن تقول زيد جَ أَو ليس جَ، وليس هذا كما كنا قلنا من قبل: إنا إذا سمينا الأبيض بالثوب وسمينا الطول بالثوب فقلنا زيد ثوب كان قولنا في حكم قضيتين، كأنا قلنا زيد أبيض وزيد طويل، وذلك لأن الثوب هناك اسم للأبيض، وأما هاهنا فليس الجيم اسمًا لواحد من هذا، بل للجملة من حيث هى جملة. وأيضًا فإن الحيوان الناطق المائت إذا لم يذكر في الحمل والوضع على سبيل التقييد، بل على سبيل التعديد حتى كان كأنه قال الإنسان حيوان وناطق ومائت، كانت هذه قضايا كثيرة ولما كان السؤال الجدلى، كما ستعلمه، ليس هو كل سؤال فإن السؤال عن ماهية الشىء وكيفيته سؤال بعلم ليس سؤال طلب الإلزام، بل السؤال المنطقى هو ليتسلم به مقدمات تجتمع فتنتج خلاف ما ينصره المجيب، فيكون الجواب عنه إما تسليم ما يطلبه أو تسليم نقيضه ضرورة ولا يكون للمجيب محيص عنهما. وإذا لم تكن المسألة بقضية واحدة في الحقيقة لم تقتض جوابا واحدا، فإن من ذلك ما لا يمكن أن يجاب فيه بإيجاب ولا سلب، كمن سأل فقال هل الإنسان جسم وروح أم ليس فإِنه ليس يمكن أن يجاب بالإيجاب ولا بالسلب، فإن أحدهما محمول على الإنسان والآخر مسلوب عنه، بل يجب أن يفرق الجواب فيقال الإنسان جسم وليس الإنسان بروح. ومن ذلك ما يمكن أن يجاب فيه وفى نقيضه كليهما بإيجاب أو سلب، ولكن لا يكون الجواب واحدا، كمن سأل أَليس الإنسان جسما ومكلفا ؟ فإِن هذا وإن أَمكن فيه الجواب بالإيجاب فيهما جميعا فليس جوابا واحدا. وربما كان اللفظ واحدًا لكنه مشترك وذلك على القسمين الممثل بهما جميعا، فللمجيب إذا حكمه السائل بين طرفى النقيض وأَلزمه أن يجيب بأحدهما أَن يلزم السائل تحرير المسألة وتقريرها َ وتوحيدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت