فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 781

ثم يتصل بهذا المعنى أشياء جرت العادة بذكرها، وبالحرى أن نذكر المشهور منها ثم نتعقبه. قد قيل إن من الإشياء التى تحمل فرادى ما يصح أن تحمل جملتها جملة واحدة ومنها ما لا يصح، وكذلك من الأشياء التى تحمل جملة ما يصح أن يحمل أفرادها فرادى ومنها ما لا يصح. أما مثال ما يصدق جملة وفرادى فهو الحد وأجزاؤه. وأما مثال ما يصدق فرادى ولا يصدق جملة فقد قالوا إن بعضه يكذب صراحا، مثل أن يكون إنسان من الناس طبيبا دون الوسط ويكون فارها في الخياطة أو بصيرا بالعين، فيصح أن يقال: إِن زيدا طبيب، ويصح أن يقال: إن زيدا فاره، ولا يصح أن يقال: إِن زيدا طبيب فاره، بأن يؤخذ الكل محمولا واحدا. وكذلك لا يصح أن يقال: زيد طبيب بصير، فإِن هذا يكون نعتا إياه بأنه طبيب فاره في الطب أو بصير فيه. وقالوا وإن بعضه يكون هذيانا إما بالقوة وإِما بالفعل، أما بالفعل فإن القائل إِذا قال: زيد إِنسان، فصدق؛ ثم قال: هو أبيض، فصدق، فإن كان يجب أن يصدق جملة ما يصدق فرادى، وجب أن يصدق أن زيدا إِنسان أبيض ولأن هذا يصدق والأبيض يصدق، وما صدق فرادى صدق جملة من غير هذيان، وجب أن يصدق من غير هذيان، فيقال إِن زيدا إنسان أبيض أبيض، وكذلك إِلى غير النهاية. وإِن كانت التفاريق أكثر من اثنين، فالشناعة أظهر. وأما الذى بالقوة فمثل أنه إِذا وجب من صدق قولنا: الإنسان حيوان، وقولنا: اإنسان جسم، أن يصدق جملة فيصدق أن الإنسان حيوان جسم أو حيوان حساس، وهذا هذيان. بل قال بعضهم إِن هذا أيضًا كذب، وذلك لأنا إِذا قلنا: إِن سقراط إِنسان ذو رجلين، فكأنا إِنما فصلناه من أناس ليسوا بذى رجلين، فكأنه قد انطوى في قولنا هذا أن في الناس من ليس هو ذا رجلين، وهذا كذب. ثم طلبوا القانون لهذا فقالوا: إِن الأشياء التى يعرض لبعضها أن تحمل على بعض لأنها قد تجتمع في موضوع واحد كالبصير والطبيب والأبيض وجميع ما ليس بعضه كالصورة وبعضه كالمادة، أو الأشياء التى ليس حال اجتماعها كما يكون من حال اجتماع الصورتين في مادة واحدة بل هى عوارض متباينة مثل ما عرض للطبيب في المثال أن صار أبيض وللأبيض أن صار طبيبا فإِنها لا تصير معنى واحدا وذلك لأن معنى أنه طبيب ليس معنى أنه أبيض بل عرض له أنه أبيض، فمن هذه الجملة قد يكون ما لا يجتمع صدقا. وكذلك إِذا كان بعضه محصورا في بعض، فإنه لا يحمل كالأبيض في الإنسان الأبيض صريحا وذو الرجلين في الإنسان تضمينا. وأما ما يصدق مجتمعا ولا يصدق فرادى فمنها ما يكون أجزاء المحمول فيه تشتمل على مناقضة مصرح بها، كقولهم: إِن الخصى رجل لا رجل، والقاضى سلطان لا سلطان، وإِن الخفاش طير لا طير، إذ يلد ولا يبيض. ومنها ما تكون تلك المناقضة فيها بالقوة، كما يقال للسفينة التى تتخذ من الحجر فيلعب بها الصبيان أنها سفينة حجر، ولا يصدق أن يقال إِنها سفينة، لأن السفينة آلة للطفو والحجر يرسب، فحد السفينة يقتضى مناقضة لما كان حجرا. وكما يقال لهذا الشخص إنه إنسان ميت ولا نقول: إنه إنسان، لأن الإنسان حده أنه حيوان ناطق. والمائت يقابل الحيوان. وأما الذى لا مقابلة فيه وتكذب أفراده مع ذلك، أنا إذا قلنا الآن، وقد مات أوميروس، إن أوميروس موجود شاعر، وإن أوميروس هو شاعر، فإن ذلك حق؛ وإذا قيل: إن أوميروس هو أو موجود، كان كذبا وكذلك العنقاء موجود في التوهم، فإذا قيل موجود كان كذبا. قالوا فيجب إذا كانت المحمولات ليس فيها تقابل لا بالفعل ولا بالقوة، أى إذا اعتبرت الحدود، فكان الحمل بالذات، فإن حملها الصادق جملة لا يمنع حملها الصادق فرادى. فيجب علينا نحن أن نتأمل هذه الأشياء بالإنصاف، ونقول فيها ما يوجبه الحق. فنقول: أما إذا تجوز في الحمل وتوسع فيه فقد يعرض جميع ما قالوا، وبإغفال معرفة ما قالوا يعرض غلط شديد. وذلك لأن الناس قد اعتادوا ألفاظًا يقولونها وفيها مجاز قولا كالحقيقة. ففى مثل تلك الألفاظ إذا أوجب أن كل ما يحمل في العادة تفاريق يجب أن تصدق جملة، أو ما يحمل في العادة جملة فيجب أن تصدق تفاريق عرض ما قالوا. وللعلم الأول إنما لحظ في ابتداء التعليم هذا الغرض، ولم يلحظ التحقيق، إذ كان المبتدىء يشق عليه الوقوف على ذلك حتى يميز العادة المجازية فيه عن الحقيقة المحضة. ومع ذلك فيغلطه إهمال ظاهر الحال فيه، فحذر من ذلك ومن مذهب العادة فيه، وأما إن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت