تأمل الحال في المهملة، فإن هذه الكلية فيها كاذبة، مثل قولك: ج مباين لبَ، فليس يلزم أن يكون بَ مباينا لج؛ فإن الحيوان مباين للإنسان بهذا المعنى، والإنسان لا يباينه. وكذلك المسور بسور جزئي، فإنه إذا كان بعض ج مباينا لبَ، لم يلزم أن يكون بعض بَ مباينا لج، فلم يكن كون المباين مباينا لمباينه نافعا ههنا. وذلك لأن ج قد يكون مباينا لبعض بَ، ومواصلا للبعض الآخر، فيكون ذلك البعض الأول مباينا له، ولا يوجب أن تكون مباينة كلية. فكذلك إذا قلنا: لا شيء من ج بَ، أوجبنا المباينة من جانب ج، ولا ندري هل الجانب الآخر مباين بكليته أو ببعضيته فيحتاج أن يبين ببيان؛ بل ليسلم إنه إذا كان كل ج مباينا لبَ، أي ليس شيء من ج بَ، فبَ مباين لكل ج، وليسلم أن هذا بين بنفسه. فهل إذا نقل كل من ج إلى بَ، يكون حقا أن كل بَ مباين لج، أو يكون ليس كذلك؛ بل حكمه حكم البعض إذا نقل عن ج إلى بَ في قولهم: بعض مباين لبَ، فصار بعض بَ مباينا لج كان كاذبا، على أنه حيث يصدق والمباين مباين للمباين، إنما يصدق إذا كان المتباينان موجودين معا حال المبانة. وأما إذا كانت المباينة هو أن لا يكون أحدهما موجودا، مثل مباينة الكاتب للإنسان حين لا يكون إنسان ما كاتبا، فلا يقال: إن الآخر المعدوم مباين أيضا. فهذا البيان ليس بشيء، ولا ينبغي أن يلفتف إليه؛ بل إلى بيان التعليم الأول. وأما طعنهم من جهة استعماله قياس الخلف، فالجواب عنه أن قياس الخلف معقول بذاته مستتامٌ إليه في نفسه، وليس يحتاج إلى أن يعلمنا حاله، في لزوم ما يلزم عنه إذا كان كاملا، معلم. والمعلم الأول، فإنه ليس يعلمنا حال قياس الخلف الإ على سبيل التذكير والتجريد من المادة. واستعماله وقبوله طبيعي وعلى ما تعلم. ثم إن الفاضل من المتأخرين قد بين هذا بوجه حسن، فقال: وإلا فليكن بعض بَ ج. وقلنا: لا شيء من ج بَ. وهذا قياس كامل معلوم الإنتاج بنفسه، إنما يعلم بعد على سبيل التذكير، لا على سبيل إفادة علم مجهول. فيلزم من ذلك أن بعض بَ ليس بَ وهذا خلف. فهذا، أما إذا كانت الكلية السالبة على ما يجب في نفس الأمر فليس يجب لها عكس. وهي التي رأينا أن نجعل العبارة منها بقولنا: كل ج، فليس يوجد بَ. أو أن نقول: ليس ولا واحد من ج إلا وليس بَ فيفهم عنه أن كل واحد مما يوصف بأنه ج بالفعل كيف كان دائما أو غير دائم فإنه يسلب عنه بَ، لا ندري متى. أفي جميع زمان ما يوصف بأنه ج، أو في جميع زمان وجوده وصف بج أو لم يوصف، أو في بعض زمان كونه ج، أو زمان غير زمان كونه ج. فإن ما يوصف بإنه ج. إذا سلب عنه بَ في زمان كونه ج كله، فقد سلب عنه بَ، وإن كان في بعض ذلك الزمان فقد سلب عنه بَ، وإن كان في زمان قبل أو بعد ذلك فقد سلب عنه بَ، وإن كان في كل زمان وجوده فقد سلب عنه بَ. فإنا وإن قلنا مسلوب أو سلب أو يسلب، فأوهمنا زمانا، فذلك لضرورة اللفظ؛ بل مرادنا أن كل شيء يوصف بأنه ج، فذلك الشيء حق عليه سلب بَ لا ندري متى. فإذا كانت السالبة الكلية المطلقة هل العامة كما عند قوم، أو ماهو خارج عن الضرورة، وهو الذي ليس السلب عنه دائما مادام ذاته موجودا، بل في وقت ما من أوقات وجوده، وهي التي تخص بالوجودية، لم يلزم لها عكس. فإن سلب الضحك بالفعل عن كل إنسان، صحيح بهذا الوجه، فإن كل إنسان يسلب عنه الضحك بالفعل وقتا ما، وإذا سلب وقتا ما فقد سلب مطلقا. وكل إنسان يسلب عنه الضحك مطلقا، وخصوصا على رأي من يخرج الضرورة عن الإطلاق. وإذا كان هذا السلب الكلي مطلقا لا ينعكس، إذ ليس يمكن أن يسلب الإنسان عن الذي يضحك بالفعل بوجه من الوجوه، وكذلك في مواد كثيرة، فقد وجد للسلب الكلي لمطلق مادة لا ينعكس فيها. وهذا معنى وقلنا: إن كذا لا ينعكس، أي ليس يلزم عكسه، لا أنه لا ينعكس في مادة من المواد. فبين من هذا أن السالب الكلي المطلق الحقيقي لا ينعكس. لكن هذا السالب لا يعبر عنه باللفظ الموضوع لهذا الشأن؛ فلذلك لا يقال: ولا واحد من الناس ضاحك.