فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 781

ولنعبر عن ما أفادنا المعلم الأول في ذلك، وإن كان جميع الصناعة مستفادة منه بقوة أو فعل، فنقول: قد علمنا أن الأمور إما شخصيات، وإما كليات. والشخصيات قد تكون حقيقية موجودة في الشخصيات؛ وإما محمولة على الشخصيات، كهذا الأبيض على زيد، فلا يكون بالحقيقة، وهذا الشيء قد أوضح لك في موضع آخر. وأما الكليات فمنها كليات قريبة من الأشخاص بلا واسطة، ومنها كليات بعيدة عنها ولا عام لها، وإما أمور في الوسط. وكل محمول إما ذاتي وعلى المجري الطبيعي، وإما كائن بالعرض كحمل موضوع على عارضه كالإنسان على الأبيض، أو حمل عارض على عارض آخر يشاركه في الموضوع، الذي هما محمولان عليه الحمل الطبيعي كحمل الأبيض على الموسيقار. وليس كل حمل عرضي إنما يكون من حمل موضوع على عرضيه، بل وقد يكون من حمل موضوع على ذاتية المقوم الأعم، كما يحمل الإنسان على الحيوان، وزيد على الإنسان، وذلك في القضايا المحصورة الجزئية. لكن الأمر الذي هو في نفس واجب، بحسب طبائع الأمور من غير اعتبار عارض من خارج، هو أن يكون الأخص موضوعًا لأعم، وأن يكون الأمر موضوعًا لخواصه العارضة، لا بالعكس. والمحمولات التي تحمل بالطبع على شيء واحد يتبين من حالها أنها متناهية، سواء أخذت محمولات حقيقية أو مشهورة. فإن كثيرًا مما لا يحمل بالحقيقة حملًا ذاتيًا يكون مشهورًا أنه محمول ذاتي. وربما كان لا عام فوقه بالحقيقة، ويكون في المشهور أن له عامًا فوقه. وبين أعم العوام وأخص الخواص أمور، إنما أكثر الكلام فيها وأكثر البحث عنها. فإذا أردت أن تكتسب القياس، فضع الحدين واطلب حد كل واحد منها وخاصيته، وكل ما يلحق كل واحد منهما، أعني الحدين من الأجناس وأجناسها، والفصول وأجناسها وفصولها والعوارض لها، ولشيء من مقوماتها وفيها أجناس وعوارض وفصول عوارضها أو عوارض عوارضها، وبالجملة لواحق اللواحق، فإنها عوارض أيضًا. وكذلك تطلب ما يلحقه كل واحد من الحدين مما نسبة الحد إليه النسبة المذكورة، وما يلحقه ما يلحقه. فهذه مواد طلب الإيجاب. وأما مواد السلب، فاطلب أيضًا الأمور التي لا يوجد لها ضرورة أو إطلاقًا الحد حد منها. ولا تشتغل بطلب ما لا يلحقه حدُّ حدٍّ، فإن ما لا يلحق هو النفس ما لا يلحق، وأما ما يلحق فليس هو ما يلحق. فإن الموضوعات التي على المجرى الطبيعي، تمايز المحمولات التي على المجرى الطبيعي، وإن دخل بعضها في بعض، إذا كانت على غير المجرى الطبيعي، كما قد علمت. فإذا حصلت ذلك فعند ذلك تتأمل حال كونها ذلك حقيقة أو مشهورة. واعلم أنك كلما كنت أمعنت في الاستكثار من هذه اللواحق والملحوقات وما لا يلحق، فأنت أقرب إلى إصابة الغرض. واللواحق التي تلحق غير الملحوق الكلي، مما لا ينتفع به أكثر الأمر؛ بل عليك باقتناص الكليات. وكذلك في الملحوقات، وفيما لا يلحق. واعلم أن القياس إنما يحصل لك من الكليات. وليس اللاحق الكلي ما يلحق بكليته للموضع، بل ما يلحق كلية الموضوع؛ وقد استبنت هذا فيما سلف. وكما لا يفيد اشتغالك بتأمل ما لا يلحقه الموضوع، أعني مثل هذا الملحوق الكلي، كذلك لا يفيد اشتغالك بتأمل ما يلحق اللاحق، هل هو لاحق للموضوع، فإن لاحق اللاحق لاحق. وكذلك لا يفيد اشتغالك بتأمل ملحوق الملحوق، هل هو ملحوق اللاحق؟ وكذلك لا يفيد اشتغالك بتأمل شيء، هل يلحق الطرفين جميعًا أو هل لا يلحق الطرفين جميعًا. إذ قد علمت أن ذلك لا يفيد، إلا أن لا تجعل نظرك من حيث لحوقه ومن حيث لا لحوقه، بل من حيث كيفية اختلاف لحوقه في الضرورة وغير الضرورة. فذلك مفيد جدًا في اشتغالك به، على رأينا خاصة الذي سنذكره، إن تذكرته. ولا يفيد أيضًا أن تنظر، هل في موضوعات المحمول ما لا يلحق الموضوع، فإن ذلك لا ينعقد عنه القياس. ويجب أن تتأمل حال اللحوق الضروري، والممكن والذي هو دائم، أو أكثري. فإن كان مطلوب ينتج مما يجانسه، فإذا كان مطلوبك موجبًا، وهو كلي، طلبت في لواحق الموضوع شيئًا هو من ملحوقات المحمول. فقد انعقد قياس. فإن كان جزئيًا، فاطلب في ملحوقات كل واحد من الطرفين، فإذا وجدت مشتركًا، انعقد لك قياس من الشكل الثالث ينتج النتيجة؛ ولكن وجدت في ملحوقات أحدهما لاحقًا للآخر كله أو بعضه أفادك ذلك. وإن كان المطلوب سالبًا؛ فاطلب لواحق أحد الحدين، هل فيها شيء في الجملة ما لا يلحق الآخر؟ فإن صادفت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت