فهرس الكتاب

الصفحة 346 من 781

تطلب قياسًا آخر.طلب قياسًا آخر.

وبالحقيقية إن وجدت هذين، فلم تجد قياسًا واحدًا، بل قياسين. فإنك في استعمالها كأنك تقول: ج بارد، واَ ليس ببارد، وج ليس بحار واَ حار. والخلف أيضًا قد يكتسب بهذا النحو. وذلك لأنك إذا تتبعت لواحق وملحوقات حدود النقيض وما لا يلحقه، فوجدت فيها ما ينعقد به مع أحد طرفيه مقدمة صادقة، ينتج مع النقيض محالًا، كنت قست قياس الخلف وكيف لا ينتفع بهذا الاعتبار، وكل خلف كما سيتضح لك، فإنه يرجع إلى المستقيم بوجه من الوجوه؟ وكذلك يمكنك أيضًا أن تكتسب من هذا المأخذ ما يفتقر إليه الشرطي الاستثنائي، على ما علمت. ويمكنك بهذا الوجه أن تكتسب الاستقراء أيضًا، وذلك إذا ما تأملت موضوعات الموضوع. وإذا وجدت في اللواحق ما يدل على المساواة، أمكنك أن تكتسب قياسًا كليًا، من حيث كنت تكتسب الجزئي بقوة الانعكاس. وهذه المساواة في الإيجاب، هو أن يكون الإيجاب على الموضوع فقط، وفي السلب أن يكون السلب عنه فقط، ويجب أن تتأمل في جميع ذلك، هل هو على سبيل الاضطرار أو على سبيل الإمكان؟ وأما الطلق، فإن عينته بشرط أن لا يكون دائمًا، وجدته من مادة الممكن؛ وإن أخذته عامًا فأيهما وجدته صح لك مطلقًا، فلا يحتاج أن تبحث عنه بحثًا خاصًا. فإن قال قائل: كيف يمكننا أن نجعل ما يمكن مطلقًا كليًا. فإنا نجد الكتابة ممكنة للإنسان، ثم لا نقول: كل إنسان كاتب. فنقول: إنا قد أوصيناك أن تأخذ اللواحق الكلية، والملحوقات الكلية، فذلك هو المقدم، فإذا شئت أن تعتبر الإمكان والضرورة، فبالأحرى أن تعتبرها بعد ذلك. واللاحق للكل إذا كان غير دائم ولا ضروري، فهو ممكن ومطلق على ما علمت. وبان لك هناك، أن هذه المطلقات موجودة، وإن كانت القضية المؤلفة من الإنسان والكاتب ليس من جملتها. فإذن كان اشتغالك باعتبار الضرورة واللا ضرورة، ووجدت الإمكان من اللحوق الكلي، وكان مرادك بالمطلق ما ليس بضروري، فقد وجدت. وإن كان مرادك المطلق الأعم، وهو الأصوب أن يكون مرادك، فأيهما وجدته المطلق. فبحثك حينئذ عن الشيء، هل هو المطلق، محال. وكما أن السلب والحمل قد يكون بالحقيقة، وقد يكون بالشهرة؛ فكذلك الضرورة واللا ضرورة قد تكون بالحقيقة، وقد تكون بالشهرة. والمشهور أيضًا، منه ما هو مشهور في بادئ الرأي. فأنت من حيث تكتسب القياس المطلق يجب أن تميز جميع ذلك، ويجب أن تعلم أن لكل صناعة مقدمات خاصة. فتكون اللواحق والملحوقات وما لا يلحق، إنما يطلب بحسب تأمل تلك الصناعة. فإن إدراكها بالحيلة المشتركة إدراك يسير. وكثير منها يحصل بالتجربة، وكثير منها بالاستقراء وستعلم الفرق بينهما.

فهذه إشارة إلى اكتساب القياس. وأما نقيضها فحيث يتكلم في صناعة الجدل.

ولقائل أن يقول: إن كانت هذه الجملة بازاء ذلك التفضيل، فإذن هذا بحث عن اكتساب القياس بنحو غير كلي، بل بنحو مطابق للبحث الجدلي.

فنقول: إن البحث الجدلي في ذلك، هو البحث عن اكتساب القياس من المشهورات. والمشهورات أعم من الأوليات. فكل أولي مشهور، وليس كل مشهور أولي، فالمباحث البرهانية تدخل في المباحث الجدلية، من حيث هي أيضًا نافعة في المشهور، لكن إنما ينظر إليها في كتاب الجدل من حيث هي مشهورة؛ وتطلب في البرهان من حيث هي حقة؛ وننظر من هذا الكتاب من حيث الوجه الذي يعمها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت