فهرس الكتاب

الصفحة 347 من 781

فهذا البحث، والبحث الذي في الجدل، يشتركان في المباحث؛ ويختلفان في أنهذا البحث أعم من ذلك بالاعتبار، وأن لم يكن في الموضوع. وذلك لأن هذا القياس يبحث عن تلك من حيث هي مشهورة؛ بل من حيث هي مقدمات. وفي كتاب البرهان يبحث عنها من حيث هي أولية وحقة. وفي كتاب الجدل يبحث عنها من حيث هي مشهورة، وإن كان قد يدخل البحث الأول والنافع في البرهان في لك البحث، فليس يدخل بالذات، بل بالعرض. فإن المشهور ليس يحمل على الأولى من حيث هو. والمقدمة تحمل عليه من حيث هو، ونحو البحث الذي في البرهان، فقد يدخل في هذا بالذات إذا كانت المقدمة أمرًا يلحق كل واحد من الأمرين، من حيث هو هو. والمقدمة أعم من المشهور، من حيث هو مشهور، ومن الحق الغير المشهور من حيث هو حق غير مشهور. والبحث عن المقدمة من حيث هو بحث عن المقدمة، يصلح أن يفصل فيجعل بحثًا عن المقدمة من حيث هي مقدمة برهانية. والبحث عن المقدمة من حيث هي مشهورة، لا يكون جنسًا للبحث عن المقدمة من حيث هي مقدمة برهانية. فإن البحث البرهاني ليس جزءًا من البحث الجدلي. والبحث عن المقدمة البرهانية كالجزء من البحث عن المقدمة المطلقة. كما أن القياس البرهاني والجدلي، هما جزآن من القياس المطلق. وليس ولا واحد منهما جزءا من الآخر.

ولكن لقائل أن يقول: فما بالكم أعرضتم عن النحو الخطابي والسوفسطائي والشعري، ولم تحيلوا على الفن الخطابي والسوفسطائي والشعري، بل أحلتم على الجدلي. فنقول: إن اكتساب القياس منفعته الكبرى في الأمور الكلية والصنائع المعدة نحو ذلك ثلاثًا: الرهان والجدل والمغالطة. والمغالطة المذمومة، وتتعلم ليؤمن الوقوع في حيالة مقاييسها المصنوعة. فكيف يكون تعلمها لأجل اكتسابها؟ على أنك إذا أخذت مكان الحق أو المشهور في اللواحق، والملحوقات، وما لا يلحق؛ المشبه من اللواحق، والملحوقات، وما لا يلحق، تكون قد صادفت القياس المغالطي.

(ه) فصل

وقد ظن قوم أن القسمة هي سبيل على اكتساب القياس، بل إنها هي القياس. فمنهم من جعلها قياسًا على كل شيء. ومنهم من جعلها قياسًا وبرهانًا على الحد، وجعل الحد محتاجًا إلى البرهان، وجعل برهانه القسمة. فأما الحق، فإن القسمة إنما يكون منها القياس المسوق إلى إنتاج قضايا منفصلة على ما علمت، وأما على غيرها وعلى الحد فلا. وليست أيضًا قياسًا، بل مقدمات قياس. فلنبين أن القسمة ليست قياسًا على الحدود المنفصلة التي في أجزائها؛ ثم لنبين أن القسمة ليست قياسًا على الحد الأول.

فأما التبيين الأول فنقوله فيه، أولًا: إنهم إنما يرومون أن ينتجوا بالقسمة شيئًا موجبًا. والشيء الموجب إنما يثبت لموضوعه بتوسط وسط إما أخص من المحمول الذي هو الأكبر أو مساو له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت