فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 781

وأما القسمة فإنما يكون الأكبر فيها دائمًا الأخص من الأوسط، كقولك: كل حيوان إما مائت، وإما أزلي. ثم تقول: والإنسان حيوان. فإن أنتج هذا، فإنه ينتج منفصلًا فقط. وأما الإنسان أزلي أو مائت، فلا ينتج منه البتة. اللهم إلا أن نأخذ ذلك أخذ القول: إن الإنسان حيوان أزلي أو مائت. فإن كان هذا يعطي لك بنفسه أو بقياس آخر، فما الذي أحوجك إلى القياس عليه؟ فإنما القياس إنما يكون قياسًا إذا كان مفيدًا لعلم المجهول، ولهذا يكتسب ويطلب. وأما المفروغ عن معرفته، فاكتساب القياس عليه كالفضل، فكيف إذا كان الذي يكتسب منه لا ينتج المطلوب؟ فإن قال قائل: إن هذا يفيد أن الإنسان مائت، بأن نقول: الإنسان حيوان، وكل حيوان مائت وإما أزلي، فينتج: إن الإنسان إما مائت، وإما أزلي؛ ثم تقول: لكنه ليس بأزلي، فينتج: أنه مائت؛ أو أنه ليس بمائت، فينتح أنه أزلي. فنقول أولًا: إن القسمة حينئذ لا تكون مفيدة، من حيث يفيد القياس الاقتراني، بل من حيث يفيد القياس الاستثنائي، إلا نتيجة منفصلة. وأما ثانيًا: فإنه لا يخلو إما أن يكون قولك: الإنسان ليس بأزلي، بينا؛ أو قولك: ليس بمائت، بينا؛ أو لا يكون أيهما اعتبرته بينا. فإن كان قولك: ليس بمائت، بينا؛ وكان كونه أزليًا، بينا؛ لم يحتج إلى القياس. إن لم يكن كونه أزليًا منهما بينا، فلا يخلو إما أن يكون بينا، أن الشيء فإذا لم يكن مائتًا فهو أزلي، أو لا يكون. فإن كان ذلك بينا بلا وسط، فيكفينا أن نقول: إن الإنسان ليس بمائت، وما ليس بمائت فهو أزلي من غير فسمة، وإن لم يكن بينا، بل كان جائزًا عندك في أول الأمر أن يكون بعض ما ليس بمائت، ليس بأزلي؛ أو يزاد فيه حيوان؛ فاستثناؤك: لكنه ليس بمائت، لا ينتج. ذلك ما لم تقل: لكنه ليس بحيوان مائت.

فيجب أن تكون قسمتك مأخوذًا فيها المقدم جزءًا من المقسوم إليه؛ إذ القسمة على وجهين: أحدهما أن لا يؤخذ المقسوم جزءًا من المقسوم إليه، كقولك: كل حيوان إما مائت وإما أزلي؛ والثاني أن يؤخذ كقولك: كل حيوان إما أن يكون حيوان مائت، وإما أن يكون أزلي. فإذن يجب أن تكون قسمتك على هذا الوجه. وإذا كانت قسمتك على هذا الوجه لزمك أيضًا ما قلنا. فإنه إن كان بينا، إن كل إنسان حيوان ليس بمائت، وبينا أن كل حيوان ليس بمائت، فهو حيوان أزلي، وكذلك مطلوبك أن كل إنسان حيوان أزلي، فقد يمكنك أن تنتجه من هذا التأليف من غير قسمة. فإن ليس يمكنك من طريق القسمة أن تنتج الأطراف.

وأما استعمال القسمة لإثبات الحد، فأول ما فيه أن القسمة لا تفيدك: أن ما أخذته هو المحمول الأعم الذي يجب أن يقسم بقسمة مثلا، كالحيوان في هذا الموضع، بل يجب أن يكون ذلك لك موضوعًا. ثم تقول مثلًا: الإنسان حيوان، وكل حيوان إما مائت وإما غير مائت. فإذا وقفت ههنا لا يكون الحد قد حصل لك، بل يجب أن تضع وضعاُ وتأخذ أخذًا، أن كل إنسان حيوان مائت. ثم تعود وتقول: إن كل حيوان مائت إما ناطق، وإما غير ناطق، فتضع، وضعًا مرة أخرى، أن الإنسان ناطق. فيجتمع أن الإنسان حيوان ناطق مائت. فإذا فعلت ذلك، لم يمكنك يكمن ذلك أن تعلم أن هذا حد. فإن القسمة لا تدل على أن هذا مساوٍ، وليس بأعم. فليست القسمة تفيد شيئًا من ذلك إفادة ضرورية. والحد كما تعلمه مؤلف من جنس، ومن فصول. والجنس لا يكتسب القسمة. والفصول هي التي تكتسب القسمة، ليست التي تكتسب بالقسمة. والتمام، وهو المساواة، ليس يمكن أن يبين بالقسمة أنه قد حصل. وأيضًا فإن الذاتية والعرضية لا تتبين بالقسمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت