فنقول: أما أولا فغن الشيء الذي هو فصل إذا شعر في المشهور بفصيلته لا من جهة ما قلناه من تحديد المقول في جواب ما هو، بل من جهة مصادفة الشيء منقسما بشيء آخر قسمة لا تخفى على الجمهور بأنه فصل، حكم حينئذ بأن الشيء يكون غير جنس، وأنه ليس مقولا في جواب أي شيء هو، وأنه لا يحل في المشهور محل الجنس وإذا لم يكن شعور من هذه الجهة، والجهة الأخرى خفية، فيكون الحمل من طريق ما هو فيما يحمل من طريق ما هو كالكافي في إثبات أن ذلك الشيء جنس، لأن التفريق بين الحمل من طريق ما هو، والحمل في جواب ما هو، ليس مما يفهم في المشهور. بل الكلام في الجنس يجل على المشهور، وإنما يفطن له الأقل من الجدليين فكيف الشروط الخفية في أمر الجنس التي لا يشعر بها أيضًا في غير المشهور. بل المشهور هو أن الجنس هو المقول في طريق ما هو الذي ليس قاسما بذاته على سبيل قسمة الفصل المقول في طريق ما هو، هو ما كان ليس البتة مقولا في جواب أي شيء هو، وإن كان المقول في طريق ما هو أعم من الأمرين. فهاهنا يجب أن يوجد كالمخصوص بأحدهما.
فصل (ب) في مثل ذلك
وأيضًا يجب أن ننظر هل من جعل الجنس جنسا للفصل كمن جعل العدد جنسا للفردية، والفردية فصل من باب الفردية بسيط، أو جعله جنسا للفرد الذي هو بمعنى شيء ذي فردية، فإن ذلك أيضًا فصل مقسم للعدد، والعدد ليس هو بنوع من أنواعه، إذ لو كان نوعا لكان إما نوعا متوسطا، وإما نوعا أخيرا؛ ولو كان نوعا أخيرا لما كان يقال على ثلاثة وخمسة؛ ولو كان نوعا متوسطا لكان مقولا على ما تحته في جواب ما هو. وقد علمت في مواضع آخر أنه ليس كذلك.
وهو أيضًا في الحقيقة ليس بفصل حقيقي ذاتي، بل هو فصل على المشهور. ولا الفرد الذي بمعنى العدد المأخوذ مع الفردية أيضًا بنوع، بل صنف؛ ولو كان نوعا لكانت الفردية فصلا، ولكان يحمل هذا الفرد على ما تحت من طريق ما هو.
واعلم أنك إذا قلت: عدد فرد، فليس معنى الفرد فيه أنه عدد ذو فردية، وإلا كنت كأنك قلت: عدد هو عدد ذو فردية، كما لو قلت: حيوان إنسان، لكنت قلت: حيوان هو حيوان ناطق؛ بل معناه أنه شيء ذو فردية، أي شيء ذو كيفية لا ينقسم معها العدد بمتساويين. فإذا قلت: عدد فرد، فمعناه أنه عدد ذو فردية، أي شيء ذو كيفية لا ينقسم معها العدد بمتساويين، فيكون العدد الثاني المأخوذ في بيان حد الفرد ليس على سبيل أنه محمول، بل على سبيل أنه جزء حد لجزء حد؛ فغن الفردية جزء حد الشيء ذي الفردية الذي هو الفرد والعدد جزء حد الفردية الذي لا يحمل عليه في ذاته، ولا يحمل أيضًا على الشيء ذي الفردية في ذاته، بل يعلم من خارج أن هذا الشيء إلا عددا، وعلى ما علمت فيما سلف. فلا تكون قد قلت مرتين للشيء إنه عدد، كما يلزمك أن تكون قلت به في المثال الأول. فهاهنا فردية، وهو كالفصل البسيط، وفرد هو كالفصل المنطقي، والعدد الفرد؛ وليس شيء منها بنوع من العدد.
لكن لقائل أن يقول: إنكم قد قلتم إن فصول الجواهر جواهر، فهي أنواع الجواهر. فنقول: أما أولا، فذلك لا يعاند به المشهور، وأما ثانيا فكان الغرض في هذا هو الفصل المنطقي. وقد علمت أن الفصل المنطقي في الجواهر ليس نوعا للجواهر بأتم بيان، وإن كان يحمل على ما يحمل عليه النوع. وأما الفصل البسيط، فلا يمنع أن يكون نوعا؛ لكن هذا فوق أن يحيط به المشهور. وإنما الغرض هاهنا في الفصل المنطقي. والفصل المنطقي لو كان يقبل في جوهره حد الجنس، لكان يكون نوعا يحتاج أن يتميز عما يشاركه في ذاته بفصل، ولا فصلا؛ أو كان يكون شخصا فيتميز بالأعراض.
وهذه أشياء قد تحققها، وعلمت أن الفصل بماذا يخالف النوع، وعلمت المذهب الحقيقي في ذلك. وأما المشهور فليكن عندك أنه مختلف غير مضبوط.