فهرس الكتاب

الصفحة 592 من 781

وأيضًا ننظر هل عرض أن جعل ما هو نوع جنسا، وما هو جنس نوعا، مثل من قال: إن الالتقاء اتصال ما، وإن الاختلاط مزاج ما؛ فإن الالتقاء أعم من الاتصال، فإن المقادير تلتقي، أي توجد ولا بعد بينهما، فتكون تارة مشتركة في حد واحد فتصل، وتارة متباينة الحدين، فيكون حداهما ليس واحدا بل معا، كما يكون للماء والدهن، ويخص هذا باسم المماسة. وهذا الالتقاء أي المماسة، لا يقال على الاتصال، فلا تعرض فيه الشبهة، بل إنما يقال عليه ما قيل بالمعنى الأول، فهناك يشكل؛ فإذا كان كذلك استحال أن يكون الاتصال إلا أخص من الالتقاء، فكيف يكون جنسا له؟ وكذلك الاختلاط أعم من الامتزاج؛ إذ الاختلاط يدل على تجاوز أجسام كثيرة فائتة عن الحس، أو أعم من تجاوز الفائتة عن الحس. ثم يوجد منه مالا يفعل بعضه في بعض كدقيق الحنطة والشعير، وبالجملة اليابسة؛ ويوجد منه ما يفعل بعضه في بعض، كالماء والخمر، والسكر والخل، حتى تجتمع لها كيفية واحدة. وهذا يخص باسم المزاج؛ فكيف يكون المزاج جنسا للاختلاط؟ وكمن جعل النقلة جنسا للحركة في المكان، وهي أخص في لغة اليونانيين؛ فإن النقلة في تلك اللغة واقعة على ما يكون قسرا، أو من غير إرادة؛ ولا كذلك الحركة.

وأيضًا إن جعل ما هو نوع جنسا للفصل فقد غلط، لأن الفصل إذا لم يكن أكثر وأعم فلا أقل من أن يكون مساويا.

وأيضًا إن وضع الجنس في الفصل، فهو أبعد غلطا؛ فإن الجنس دائما أعم، فإن لم يكن مثلا أعم، بل اختلف، فشارك في شيء، وباين في شيء، كالمنقسم بمتساويين. والعدد فإن طبيعة الفصل لا تكون مقومة للجنس البتة، بل عارضة لطبيعته، وإن كانت تباينه على ما علمت.

وكذلك إن جعل الجنس فصلا، كمن جعل الاختلاط فصلا مقوما للمزاج، والتغير فصلا مقوما للنقلة.

وأيضًا، إن كان شيء من فصول الجنس أو خواصه المقسمة تحمل على الموضوع نوعا فليس الموضوع جنسا بجنس؛ مثل النفس: فإن العدد كيف يكون جنسا لها - على ما يقال - وليست النفس بفرد ولا زوج، بل كيف يكون العدد محمولا عليها؟ وأيضًا إن كانت طبيعة النوع ترفع طبيعة الجنس، كمن يجعل الحقيقة الإلهية داخلة تحت مقولة من المقولات، ويعاند هذا بطبيعة الاثنينية والثلاثية، فإنها إذا رفعت، رفع العدد أصلا. والعدد جنس، لكنه إذا أخذ الرفع لا رفع الوجود، بل رفع كون عدد آخر البتة عددا في ماهيته، سلم هذا الموضع، وإلا فلم يسلم. والحال في ذلك على ما علمت.

وأيضًا، إن كان الجنس والفصل قد يزولان، ويبقى ما وضع نوعا، فليسا بجنس ولا فصل؛ وهذا ظاهر. وكذلك إن كان ضد الفصل أو الجنس يقال على النوع.

وأيضًا إن كان النوع قد يحمل عليه شيء لا يحمل على شيء مما وضع جنسا البتة، فليس الموضوع جنسا بجنس. مثاله: أن النفس يحمل عليها الإدراك والحس والحياة، ولا شيء من الأعداد كذلك.

وأيضًا، إن كان الموضوع جنسا مما ليس يحمل بتواطؤ بل باشتقاق، فليس بجنس.

وأيضًا، إن لم يمكن أن يكون للموضوع جنسا نوع آخر غير الموضوع نوعا، فليس بجنس.

وأيضًا، إن كان إنما يقال عليه وعلى غيره مما يظن نوعا معه باشتراك الاسم لا بالتواطؤ، قول الإنفاق، على حال النغمتين وعلى حال الصديقين، فليس بجنس.

وهاهنا مواضع من جهة الأضداد، وهو أنه هل إن كان للنوع ضد وليس لجنسه ضد، فالضد ليس يحمل عليه الجنس؛ فإنه إن لم يحمل عليه فليس بجنس؛ وهذا يصلح للإثبات.

وأيضًا، إن كان للجنس ضد، فهل ضد النوع في؛ فإنه إن لم يكن فيه، لم يكن الجنس جنسا، وإن كان، كان. وهذا يرجع إلى الأصول المتقدمة أنه إن كان كذا، فضده ضد جنسه.

وأيضًا، إن كان ضد النوع ليس له جنس،بل هو جنس عال، فلا يكون النوع إلا جنسا عاليا، ولا جنس فوقه، كالخير والشر. وقد علمت فيما سلف أنه كيف ينبغي أن تعلم هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت