7)إن أحد أهم المنطلقات في مسألة النهوض بالمرأة المسلمة يتجسد في النظر إلى أن الأصل في واجبات الرجال والنساء واحتياجاتهم وحقوقهم وآفاق نموهم والفرص التي يجب أن تتاح لهم هو التوحد والتشابه، وليس الخصوصية والتباين إلا ما دلت النصوص الصحيحة الصريحة والأحكام المعتمدة على الاختلاف فيه. وهذه النظرة مخالفة على نحو جذري للنظرة التي تجعل من التباين بين الجنسين أصلًا، ومن ثم فإن على من يدعي التماثل الإثبات بالأدلة والبراهين. يقول الله تعالى:"وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا" [النساء:124] ، وقال:"وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ" [الأحزاب:36] ، وقال سبحانه:"إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا" [الأحزاب:35] وقال:"وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" [التوبة:71] .
إن حاجات المرأة البدنية والروحية والنفسية والترويحية والأدبية والمعيشية لا تختلف عن حاجات الرجل، وينبغي العمل على تلبيتها في إطار خصوصية المرأة ووفق حدود الشريعة الغراء. وللمرأة على الرجل حقوق كما أن للمرأة على الرجل حقوقًا، وقد قال -سبحانه-:"ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة" [البقرة:228] . وقد كان ترجمان القرآن ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول انطلاقًا من هذه الآية:"إني لأحب أن أتزين لزوجتي كما أحب أن تتزين لي". وذُكر أنه قال في تفسير الآية:"أي لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه الله عليهن لأزواجهن". وقد اختلف المفسرون في تفسير كلمة (الدرجة) على أقوال، وقد ذهب ابن عباس إلى أن الدرجة إشارة إلى حض الرجال على حسن العشرة، والتوسع للنساء في المال والخُلُق، أي أن الأفضل ينبغي أن يتحامل على نفسه. قال ابن عطية وهذا قول حسن بارع.
إن للمرأة المسلمة الحق في أن تتطلع إلى تحقيق ذاتها وإثبات وجودها والقيام بدور ريادي في المجتمع عن طريق الدعوة إلى الله -تعالى- وتثقيف الجيل، والمشاركة في الحركة الإصلاحية والمساهمة في تنمية الاقتصاد، ودفع عجلة التقدم بما لا يؤثر على وظائفها القائمة بها فعلًا من رعاية الأسرة وتنشئة الطفولة، وبما لا يتعارض مع الأطر الشرعية المعروفة في هذا الشأن. إننا لا نستطيع -كما لا يستطيع غيرنا- أن نفصل للنساء الأمور التي تتطلع إليها، أو تحقق ذاتها عن طريقها، فهذا شيء يشرطه الزمان الحاضر ونوعية الحالة الحضارية السائدة. ولا تختلف المرأة في هذا عن الرجل، المهم دائمًا مشروعية الأهداف ومشروعية الوسائل بالنسبة إلى كل منهما.
والحقيقة أن الأمة اليوم -بما تعانيه من ضعف في كل المجالات- بحاجة ماسة إلى جهود كل أبنائها وبناتها، مما يجعل كثيرًا مما أشرت إليه على أنه حقوق نوعًا من الواجبات الحضارية التي ينبغي إعداد المرأة للقيام بها والنهوض إليها.