فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
8)يقول علماؤنا: الخير المحض نادر والشر المحض نادر، ومعظم الأمور عبارة عن خير يشوبه بعض الشر، وشر يشوبه بعض الخير. وإننا انطلاقًا من هذا سنجدد دائمًا بعض الميزات والإيجابيات لكثير من الأنشطة النسائية، كما سنجد أيضًا بعض المثالب والسلبيات لكثير من ذلك. وعلينا من خلال معرفتنا بموازين الشريعة السمحة ومعرفتنا بسنن الله -تعالى- في الخلق بالإضافة إلى فهمنا لطبائع الأشياء ومنطقها أن نقوم بـ (تقييم) الإيجابيات والسلبيات لكل عمل من الأعمال وكل نشاط من الأنشطة التي تحتاج إليها المرأة، وينبغي أن تساهم هي على نحو فاعل وواسع في توضيح الحاجات وتقييم الأنشطة، فما غلبت إيجابياته على سلبياته صارت سلبياته في حكم العدم، وما غلبت سلبياته إيجابياته، صارت إيجابياته كذلك مع الأخذ بعين الاعتبار أن تقديرنا للمزايا والنقائص كثيرًا ما يكون اجتهاديًا يقبل الخلاف والجدل والرؤية المتعددة. وإذا كان هذا صحيحًا فإن على الأمة أن توحد كلمتها، وتتعاون على تطهير المجتمع من السلوكات والأوضاع المتفق على تجريمها والمتفق على سلبياتها وضآلة إيجابياتها، كما أن عليها أن تُبقي الباب مفتوحًا للحوار في الأمور المختلف فيها، وأن تتعلم مع ذلك كيف تتسامح فيما يحتمل تعدد الرؤية وتباين النظر والتقدير من أفق الحكم الشرعي أولًا ومن أفق النظر العقلي والخبرة المتراكمة ثانيًا.
ومن الملاحظ في هذا الإطار أن كثيرين منا لا يُظهرون أي استعداد للمناقشة في المزايا والعيوب، ولا ينفتحون على أي رأي مغاير لآرائهم في قضايا (المرأة) وقد استسهلوا حظر أي نشاط أو عمل أو إطار لمحوا فيه سلبية من السلبيات غير مدركين للأضرار الخلقية والنفسية والاجتماعية التي تتعرض لها المرأة بسبب كبح روح المبادرة لديها وتضييق المجال الحيوي لنشاطها وحركتها. إن على أهل الخير والغيرة على المرأة المسلمة أن يدركوا أن الزمان ليس ممتدًا أمامهم إلى ما لانهاية، وأنهم إذا لم يسعوا على نحو جاد لإصلاح شأن المرأة من أفق مبادئهم ومنطلقاتهم ورؤاهم، فإن غيرهم سينجز المهمة وفق ما يراه، وعليهم آنذاك ألا يلوموا إلا أنفسهم.
9)من المهم في كل مشروعات الإصلاح العامة وتلك الخاصة بالمرأة أن نركز على التثقيف والتربية بوصفهما المورد الأكبر لبناء الإنسان من الداخل، وبوصفهما الأداة الأكثر فاعلية لتأسيس ذات حرة كريمة، تحركها المبادئ والقناعات الذاتية، ويكبح جماحها الوجدان والضمير والوازع الداخلي. وقد بات هذا الأمر اليوم أكثر إلحاحًا؛ حيث أخذت العولمة تهمش كل السلطات: سلطة الدولة والمجتمع والأسرة والمدرسة، وسينتج عن كل ذلك تدهور في سلطة الأعراف والعادات والتقاليد، مما يعني أهمية استثنائية للرقابة الذاتية والمبادرة الخاصة، والتثقيف الجيد القائم على الحوار وتوسيع الأفق وقبول النقد والنظر إلى الأشياء من زوايا متعددة، يساعد الأجيال الجديدة على الشعور بالمسؤولية من خلال شعورها بحرية الاختيار. ومن الشعور بالمسؤولية تنبثق الشخصية، ويبزغ فجر الإنسان المبادر والمنضبط ذاتيًا. وإن من المؤسف أننا على مدار التاريخ لم نكن نواجه انحرافات المجتمع وأمراضه وأشكال قصوره بتحسين مستوى التثقيف أو تطوير البنية التربوية، وإنما كنا نواجه ذلك بالإفراط في استخدام القوة وسن المزيد من النظم والقوانين الكابتة للنشاط والمقيدة للحركة، وقد عبر عن هذه الوضعية عمر بن عبدالعزيز -رحمه الله- حين قال:"يحدث للناس من الأقضية على مقدار ما يُحدثون من الفجور". ولم نحصل من وراء كل ذلك إلى على أقل القليل من الصلاح والاستقامة والتقدم، لكننا خرجنا أجيالًا من الإمعات والمهمشين وأجيالًا من ذوي السلوكات المتناقضة والنفوس الناقمة والتطلعات المرتبكة.
إن التثقيف الجيد يحتاج إلى وقت وإلى جهد وصبر لكن نتائجه مذهلة! وإن طبيعة التدين الحق والالتزام الصحيح تتأبى على القسر والإكراه، وتنمو وتنتعش مع التحفيز والتشجيع والعناية الفائقة.
10)تواجه المرأة المسلمة العديد من المشكلات النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وهذه المشكلات منها ما هو خاص بها، ومنها ما هو مشترك بين النساء جميعًا. وإن من سنة الله -تعالى- في الابتلاء أن الذي يتحرك في إطار مبادئه وقيمه يجد نفسه تتحرك في مدى أضيق من المدى الذي يتحرك فيه من يمضي وفق رغباته وشهواته المطلقة. وهذه القيود والتكاليف تثقل كاهل الإنسان؛ لكنها في الوقت نفسه تشكل وسائله وسبله إلى الرقى والسمو والنجاة. ومثلها في ذلك مثل جناحي النسر يثقلانه حين يكون على الأرض، لكن بهما يبلغ طبقات الجو العليا. وأنا أشعر أن إحساس الرجال بحجم معاناة النساء ضعيف؛ وقد تعودنا إصدار الأحكام العامة دون الدخول في التفاصيل، مع أن الشياطين -كما يقولون- تكمن في التفاصيل، وهذا بعض ما أعتقد أنه يشكل أزمات عامة للمرأة المسلمة؛ على نسب متفاوتة: