وهكذا نرى أن سلاح الجاسوسية هو السلاح الأمضى والأكثر فعالية ضد ثورات المطاريد وحركات مقاومتهم وحروبه غير التقليدية.
ولعل أكبر مآثر حزب الله لبنان في حرب 2006 أنه أثبت إستعصائه على الإختراقات التجسسية، سواء في أوساط القيادة أو الكوادر والمقاتلين أو حتى بين الوسط السكانى في الجنوب، الذى أثبت تماسكا غير عادى وحماسا للمقاومة يفوق التخيل.
وهنا يظهر أهمية العامل الدينى في التعبئة المعنوية للمقاتلين وللبيئة السكانية وأهمية القيادة الدينية العالية التأهل والكفاءة. فكلا العنصرين عوامل تفوق لا تضاهى اذا أمكن توافرها لحركة مطاريد جهادية.
ومع ذلك تبقى إمكانية الإختراق التجسسى شيئا ممكنا في كل زمان ومكان، ولكن
الخطورة هى تفشيها حتى تصبح مرضًا أو ظاهرة يصعب السيطرة عليها ونشير هنا إلى تجربة حرب العصابات في جزيرة قبرص في بداية الخمسينات ضد الإحتلال البريطانى وهى تجربة تستحق التأمل من نواحى عديدة سنعود إليها لاحقا. تولت المقاومة هناك منظمة سرية تدعى"أيوكا"قادها عسكريا جنرال يونانى يدعى"جريفاس"وقادها سياسيا وروحيا أسقف يدعى"ماكاريوس". أى قيادة سياسية دينية لحركة مقاومة يقودها جنرال وكانت توليفة فريدة.
الشاهد هنا هو السياسة التى تبتها الحركة في التعامل مع الجواسيس.
فنظرا للمحدودية الشديدة لمساحة الجزيرة، كانت قدرة المقاتلين على المناورة صعبة
جدا، فكانت الوشاية عملا مدمرا بشكل فوق العادة.
لذا تبنت الحركة أسلوبا غاية الحسم في التعامل ليس فقط مع الجواسيس، بل مع كل
من يتعاون مع العدو، أو يتبوأ منصبًا في جهاز الأمن.
كانت طقوسهم في إعدام الجاسوس هى إرسال من يغتالة في عز النهار في الشارع العام أمام الناس بإطلاق النار عليه. وعندما تحضر الشرطة للتحقيق، لم يكن هناك من يتجرا على أن يتقدم للإدلاء بأى معلومات عما حدث، فقد تعلم الناس الدرس.
وكانوا يغتالون ضباط الشرطة بشكل منتظم، حتى أنه في نهاية الأمر لم تكن قوات الإحتلال تجد من يوافق على تولى مناصب الأمن القيادية.
يقول الجنرال جريفاس عن هذه السياسة أنها"جعلت العدو أعمى"نتيجة إفتقاده للمعلومات.