فجميع ساحات الجهاد تقريبًا، تسير وفق قيادة واحدة إما تنظيميًا بالتبعية المباشرة له، أو أدبيًا بالأخذ بنصائحه والاستفادة من توجيهاته، وصحيح أن تنظيم قاعدة الجهاد ليس خلافة في هذه المرحلة إلا أن طريقته في إدارة الأقاليم والساحات تشبه إلى حدٍ كبير -من حيث الإدارة أقصد- طريقة إدارة الخلافة سابقًا لأقاليمها وثغورها.
ففي هذا الوقت وتلك الحالة من الانسجام بين كل الأفرع والمكونات والساحات الجهادية، خرجت علينا جماعة الدولة بإعلان دولتها التي شقت به جبهة النصرة أولًا وأضعفت الجهاد في الشام ثم إنها شقت عصا الطاعة وشذت عن الجماعة بخروجها عن السمع والطاعة للشيخ الظواهري -حفظه الله، ومعصيتها لأمره ويتجلى أمره بضرورة العمل على ثغر العراق وترك ثغر الشام لغيرها ويبقى كلٌ من ثغر الشام وثغر العراق تحت إمرة وإشراف الشيخ الظواهري، وراحت جماعة الدولة تشتط في شق الصف وتمزيقه وإضعافه وتشتيت الشمل وتفريق الكلمة وبث الفرقة والفتنة.
وخلال برنامجها الممنهج المتسلسل جاءت خطوة إعلانها عن خلافتها لتنتقل من تمزيق الصف على مستوى الشام والعراق إلى تمزيقه على مستوى الأمة وساحات الجهاد كلها.
حيث طلبت من كل مَن في الساحات أن يلحق بها ويبايعها، وقالت بإلغاء جهاد الآخرين وهذا هو الشق لصف الأمة بعينه وهذا بيّن لا يخفى وقد بينه كثير من علمائنا الأفاضل ووضحوه توضيحًا طيبًا بشكلٍ جلي نقلنا جزء طيبًا من كلام بعضهم في فصول سابقة) [1]
قال الشيخ أبو عبدالله الشامي: (ومن مقاصدهم البدعية كذلك، طرح أنفسهم للأمة على أنهم قد تجاوزوا مرحلة التنظيمات وصاروا دولة الخلافة، وهذا ليصعدوا فوق كل التنظيمات والجماعات بل فوق الأمة كلها، ولا سبيل لهم للصعود في دنيا الواقع والحقيقة فراحوا يصعدون في دنيا التهويمات والأحلام والشعارات بأنهم خلافة فوق الجماعات، وما على الجماعات إلا أن تأتي وتُبايع أميرهم الذي تضخَّم مؤخرًا فصار خليفة! إلى غير ذلك من الخُزعبلات والتلبيسات.
وحقيقةُ هذا الأمر أنهم إنما فعلوه ليتهربوا به من عاقبة عصيانهم لأميرهم الشيخ الحكيم أيمن الظواهري -حفظه الله-، ونزعهم يد الطاعة وتمزيقهم للصف والكلمة والجماعة، فراحوا يعلنون الخلافة ليفروا من المُساءلة عن هذه الجريمة النكراء التي فجعوا بها الأمة وجهادها في مرحلةٍ حساسة من تاريخ صراع أمتنا مع أعدائها، وفي حلقةٍ حساسةٍ جدًا جدًا من حلقات هذا الصراع، ألا وهي أرض الشام المباركة.
(1) سلسلة مسائل مهمة في الإمامة حق الأمة، تفريغ مُؤسَّسَة التَّحَايَا- ص 60 - 61