الفروع إلى أصولها. ومن هنا كان اصل القياس منبعثًا من منابع ثروة التشريع الإسلامي حتى لا تشذ الجزئيات عن كلياتها، وحتى لا تبطل في الأرض حجج الله وبيّناته، وحتى ينتظم التشريع الإلهي حيوية تلك المجموعة الشمسية، ومن ذلك كان الإجماع القطعي من الطرائق العملية، حكمه في إثبات الأحكام الفرعية وتحقيق النظريات الفقهية حكم الكتاب والسنة والقياس مع الفارق المرسوم بين هذه الأصول الأربعة قوة وضعفًا، وفي توجيه النصوص الروحية أو الزمنية الصرفة وما كانت مزيجًا منهما
لذلك لما كان الإسلام دين تشريع وهداية كان تطبيق الأحكام على الناس حسب مقتضيات الأحوال ومناسبات الأسباب والعلل، فمن المتعذر أن يؤخذ الناس بأحكامه طفرة واحدة ضرورة أنهم لم يمرنوا على مثل هذه الطفرات في أبان ظهوره خصوصًا ما كان متعلقًا منه بأمور لم يكن لهم بها عهد ولا ممارسة، فكان بديهيًا أن يحمل الدين الإسلامي في أطوائه تينك السلطتين: السلطة الزمنية والسلطة الروحية، لتكون له المكنة مجتمعة من تنظيم حياتي المعاش والمعاد عند معتنقيه، وإقامة المجتمع على مناهج لا عوج فيها ولا أمت حتى تكون طريقًا إلى الحياة الأخرى في أسعد غاياتها وأرفه نهاياتها. وإلا فلو أغفل الإسلام تلك السلطة الزمنية وبقى لا يحمل إلا السلطة الروحية لكان دينا كهنوتيًا في مراميه، ولأجفل الناس عنه إجفالا يمكن لهم في الفوضى وسوء المنقلب، ولتراخت الهمم وتخاذلت العزائم وأصبح المسلمون شيئًا لا يحده قانون الاجتماع ولا تعرفه نواميس البشرية
كذلك لو أغفل الإسلام السلطة الروحية وظل مستمسكا بالسلطة الزمنية لكان مزيجًا من أخلاق متدافعة وعادات متناقضة، ولكان قصارى جهد معتنقيه أن يخضعوا لنواميس هذا المجتمع في علله وأوصابه وتدافع أسبابه، وأن تكون الغلبة فيهم للقوي العاتي، وأن توجد الفروق بين الطبقات والأسر والقبائل والبطون قلة وكثرة وقوة وضعفًا وعزة وذلة، والأشياء ونقيضها، فلا يعدو أن يكون كالشريعة الرومانية أو الفقه الروماني ارتحلت صولته وبقيت محنته وسقطت هيبته وزالت روعته، ثم بعد هو لا يعدو أن يكون بين الأجيال المتلاحقة أنباء قصصية ونظريات فلسفية أفلاطونية، تعالى الإسلام عن ذلك علوًا كبيرًا