للإذاعة، بل من أية موسيقى هزيلة ضعيفة، ليس بحقيق أن يدعى شاعرًا، ولكن الشاعر الذي يبشر بمقبل باسم للموسيقى، إذ يتوجه بها إلى القوة وتصوير الحروب والكتائب، على نحو ما تأتي به موسيقى (فردي) و (بيتهوفن) و (موزار) وأضرابهم من العباقرة هو الشاعر الذي تحلم به مصر، وهو الشاعر الذي يأتي ليرقى الأحاسيس، وينمي الابتكار الخيالي، المنعدم مع الأسف في محيط الحياة المصرية قاطبة!!
ثم يهاجم الكاتب هذه الصورة الرائعة التي اغبط الشاعر عليها بحق:
الوجه ساج كصلاة الغديرْ ... بين الطيورْ!
فهو كان يحب أن تصلي الطيور لغدير وهي تحسو الماء منه، وهذا هو المعنى الذي لا يصح أن يلتفت إليه الناقد المدقق، ولكن المعنى العميق الدقيق هو أن الغدير في سجوه وهدوئه يؤدي صلاة روحية عميقة، والطيور حواليه ترشف منه ساعة صلاته وذهوله؛ فهو ينظر إلى حركة الطيور الآلية عندما ترشف الماء من الغدير على أنها صلاة. والواقع أن الصلاة لا تصدق من الظامئ المفهوم المشغول بحسو الماء من الغدير، ولكنها تصدق كل الصدق من الغدير الساجي الهادئ المعطي الباذل ماءه لطيور الظماء!
وهل يجهل الناقد أن هنالك شيئًا في الشعر اسمه (امتزاج الأحاسيس) وأن هذا الشيء كتب فيه الشعراء واستعان به الكتاب ولعل ابن الرومي هو الذي أتقن هذا النوع من الشعر. ولماذا نذهب بعيدًا فالرافعي رحمة الله عليه - يقول في بعض كلامه (واقتليني يا حبيبتي قتلة معطرة!!) وعلى هذا الأساس يجب أن يعيد الكاتب النظر في هذه الأبيات حتى يخرج منها بالصورة المركزة الدقيقة التي عانها الشاعر في قصيدته (في لهيب الحرمان) و (الذهول)
واختتم هذه الكلمة العابرة راجيًا أن يراجع الكاتب الأديب مدارسة الديوان فسيجد فيه فتحًا جديدًا في الشعر العصري، واتجاهات رائعةً أغفلها الشعراء عندنا. سيجد حديثًا عن الريف، ومظاهر الطبيعة الحزينة والطروب، وسيجد تعبيرًا عن آلام الفلاح المصري، وسيجد غزلًا مطربًا صادقًا، وعند ذلك يكتب عن شاعر الريف الجديد الذي نبغ على صغر سنه، في هذا المضمار الرائع المستقل.
وسنتبع هذه الكلمة بحديث مسهبٍ عن شعر محمود إسماعيل إذا سمحت الظروف وسمحت