فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 509

وأمّا مفاهيم التحليل التي يستند إليها د. مفتاح فهي أوّلا المقصدية، وهي المعتقدات والمقاصد والأهداف التي تحكم فعل الكلام الصادر من متكلّم إلى مخاطب في مقتضيات أحوال خاصّة، وبهذا يدخل من خلال هذا المفهوم ثلاثة عناصر أساسيّة هي:

المخاطب، والمخاطب، وظروف التنزيل. أو ما عبّر عنه الشاطبي بالمقاصد ومقتضيات الأحوال. فالمخاطب هو الرسول الذي كان يخاطب الناس بلسان عربيّ مبين، وينبني على هذا الأصل نتائج منها تفضيل النصّ الذي لا يحتمل التأويل على غيره. وإذا كان ثمّة تأويل فهو مبنيّ على حقائق العربيّة وسننها في التعبير. فاللّغة وظيفتها الأساسيّة هي التواصل فيجب أن يكون التعبير اللّغوي واضحا دقيقا شفّافا. وأمّا عن المخاطب فقد تكيّف أسلوب القرآن بحسب نوعية مخاطبيه، وبحسب القضيّة المتحدّث عنها والسياق الذي دار فيه الخطاب، وأمّا ظروف التنزيل فهي الظروف التي جرت فيها عمليّة الخطاب ممّا يؤدّي إلى نجاحه أو فشله.

وأمّا المفهوم الثاني فهو المماثلة والمشابهة فإنّ أهمّ ما يضمن نجاح الرسالة هو مخاطبة الناس على قدر عقولهم وبما يفهمونه. ويترتّب عليه، أنّ المطابقة بين مجموعتين غير ممكنة في عمليّة الخطاب إذ لا يمكن أن تحصل هذه المطابقة إلّا إذا كان الموضوع والزمان والمكان هي نفسها من جميع الجهات، وهذا شيء لا يحصل البتّة. فإذا توفر عنصر وحدة الموضوع فإنّ الزمان والمكان يفتقدان. وإن ما أتى في الموضوع قد يأتي مخصّصا (أي حاذفا لبعض المقوّمات) . وقد يكون بيانا وتفصيلا (يضيف بعض المعلومات) وباستخدام مبدأ المماثلة والمشابهة فليس هناك ناسخ ولا منسوخ. وأمّا المفهوم الثالث فهو نوع العلاقة ويقسّمها إلى قسمين:

* علاقة خارجيّة، وهي علاقة المماثلة والمشابهة بين الخطاب القرآني وغيره من الخطابات السابقة له أو المعاصرة، وهي نوعان علاقة تعضيد أو علاقة رفع، ومثال التعضيد: القاعدة الفقهيّة: = شرع من قبلنا شرع لنا =، ومثال الرفع القاعدة الفقهيّة: (ما خالف شرعنا) . وللتعضيد درجات كما للرفع درجات بحسب توافر

عناصر المقصديّة والمماثلة. والمشابهة. فآيات القصاص مثلا تأخذ أقصى درجات التعضيد، باعتبار أنّ الإسلام حافظ عليها كما جاء قبله، وآيات الصيام مثلا تأخذ أوسط حالات التعضيد، فإنّها تناولت الموضوع نفسه الذي تناولته الديانات السابقة، بتعديلات اقتضتها الأحوال. وآيات المعتقدات المتعلّقة بالألوهيّة تأخذ أقصى درجات الرفع (تغيير جذري للمعتقدات المحرّفة) ، وآيات المحرّمات في اللحوم مثلا عند اليهود تأخذ أوسط حالات الرفع، فقد أبيحت بعض أنواع اللحوم للمسلمين، وهناك ضرب مشترك يحتمل التعضيد في سياق ومساق، وتحتمل الإبطال والنقض في سياق ومساق، كما في بعض القصص القرآني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت