منه، بل إنّ هذه ليست إلّا خطوة أولى تليها خطوة أخرى، ربّما كانت أكثر أهميّة، وهي تطبيق هذه الأحكام المطلقة على تصرّفات الناس التي تصدر عنهم في واقعهم الاجتماعي أقوالا وأفعالا = ما دام كلّ دليل شرعي مبنيّا على مقدّمتين إحداهما راجعه إلى تحقيق مناط الحكم والأخرى ترجع إلى الحكم الشرعي نفسه = [1] . ونرى عند ابن عابدين إشارة مهمّة إلى أثر أحوال المخاطب وواقع الأمر في فهم النصّ يقول: = لا بدّ من فقه في أحكام الحوادث الكليّة، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس، يخبر به الصادق والكاذب، والمحقّ والمبطل، ثم يطابق بين هذا وهذا فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفا للواقع = [2] .
وقالوا إنّ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصّة على وزن واحد. [3] ومن هذا المنطلق قالوا في قوله تعالى: {= إِنَّمََا جَزََاءُ الَّذِينَ يُحََارِبُونَ اللََّهَ وَرَسُولَهُ =} [4] : إنّ الآية تقتضي مطلق التخيير ثم رأوا أنّه مقيّد بالاجتهاد، فالقتل في موضع، والصلب في موضع، والقطع في موضع، والنفي في موضع، وكذلك التخيير في الأسرى من المنّ والفداء [5] .
وهنا نفهم سلوك عمر حيال الآية {= وَالسََّارِقُ وَالسََّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمََا جَزََاءً بِمََا كَسَبََا نَكََالًا =} [6] في عام المجاعة، حين امتنع عن إقامة الحد [7] . إنّ مراعاة هذه
(1) الموافقات، 3/ 43.
(2) رسائل ابن عابدين، رسالة العرف، ص 41.
(3) الموافقات، 4/ 98.
(4) سورة المائدة، آية 33.
(5) الموافقات، 4/ 103.
(6) سورة المائدة، الآية (33) .
(7) د. محمد بلتاجي، منهج عمر في التشريع، ص: (245244) .