من علم العربيّة والفقه أنّ هذه الآية منسوخة بالاستثناء بعدها، ولو كان لهم نصيب من ذلك لعلموا أنّ الاستثناء ليس بنسخ، وإنّما هو إخراج بعض ما شمله اللفظ = [1] . ويدعم ابن الجوزي رأيه هذا من خلال العالم الواقعي في أنّ الناسخ والمنسوخ لا يمكن العمل بأحدهما إلّا بترك العمل بالآخر، وفي هذه الآية يمكن العمل بالمستثنى والمستثنى منه، ويستند كذلك إلى هدف النصّ، فالجمل = إذا دخلها الاستثناء يثبت أنّ المستثنى لم يكن مرادا دخوله في الجملة السابقة، وما لا يكون مرادا باللّفظ الأوّل لا يدخل عليه النسخ = [2] .
وفي قوله تعالى: {= فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ =} [3] . اختلف المفسّرون في نسخها، وبنوا هذا الاختلاف على اختلافهم في غرض الآية (الهدف) وذلك على قولين:
الأوّل: أنّه الانتهاء عن الكفر. والثاني: عن قتال المسلمين لا عن الكفر، فعلى القول الأول الآية محكمة، والثاني يختلف في المعنى فمن المفسّرين من يقول: (فإنّ الله غفور رحيم) إذ لم يأمركم بقتالهم في الحرم، بل يخرجون منه على ما ذكرنا في الآية التي قبلها فلا يكون نسخ أيضا. ومنهم من يقول: المعنى اعفوا عنهم وارحموهم فيكون لفظ الآية خبر ومعناه الأمر بالرحمة لهم والعفو عنهم، وهذا منسوخ بآية السيف [4] . فهنا أدّى غرض الخطاب دورا أساسيّا في تحديد المنسوخ من عدمه ومن أمثلة الاعتماد على غرض النصّ في تحديد النسخ كذلك. آية الخمر {= يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمََا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنََافِعُ لِلنََّاسِ =} . فقد اختلف العلماء في هذه الآية، فقال قوم = إنّها تضمّنت ذمّ الخمر لا تحريمها، فإنّ كان الذم، فهي منسوخة بقوله تعالى: = فاجتنبوه = وإذا كان الهدف منها التحريم فلا نسخ فيها [5] .
(1) ابن الجوزي، نواسخ القرآن، ص 55.
(2) نفسه، ص 55.
(3) سورة البقرة، الآية (192) .
(4) ابن الجوزي، نواسخ القرآن، ص 74.
(5) نفسه، ص 82.