وكثيرا ما يلجأ علماء القرآن إلى زمن النزول لتحديد المنسوخ، ومنه ما جاء في ذكر الآية (21) من سورة البقرة، فقد اشترط ابن الجوزي للقول بنسخها = أن يثبت أنّ نزول قوله {= فَمَنْ كََانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا =} تأخّر عن نزول أوّل الآية ولا يثبت هذا = [1] . ونعرف أنّ زمن النزول من العناصر الرئيسة في السياق المقامي للنصّ، وزمن النزول متّصل بحال المخاطبين والوقائع المصاحبة لنزول النصّ. فالوقائع المصاحبة مهمّة في تحديد معنى النصّ.
وهل هو محكم أم منسوخ، وظروف المخاطبين عنصر أساس في تحديد ذلك. وانظر إلى ما ذكر في الآية {= يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصََاصُ فِي الْقَتْلى ََ =} [2] . قال ابن عبّاس: = هذا منسوخ بقوله تعالى = في المائدة: = النفس بالنفس = [3] . قال مكّي بن أبي طالب: = وهذا لا يجوز عند جماعة من العلماء لأنّ ما فرضه الله علينا لا ينسخه ما حكى الله من شريعة غيرنا إنّما أخبرنا الله في المائدة بما شرع لغيرنا، لم يفرضه علينا = [4] . ثم يذكر رأي الشعبي وهو = أنّ آية البقرة مخصوصة نزلت في قوم تقاتلوا، فقتل منهم خلق كثير وكانت إحدى الطائفتين أعزّ من الأخرى فقالت العزيزة: لا يقتل العبد منّا إلّا بالحرّ منكم ولا الأنثى إلّا بالرجل منكم، فنزلت الآية، في ذلك، ثمّ هي في كل من أراد أن يفعل كفعلهم فهي محكمة = [5] . وإذن فطبيعة الواقعة، وطبيعة (سياق الحال) الذي تنزّل فيه النصّ استدعت صياغته على هذا النحو، وفي (المائدة) جاءت بصياغة أخرى، وهذا الاختلاف في السياقات استدعى اختلاف النّصوص، ومن ثمّ فلا نسخ، وقال السدّي عبارة بليغة، لها علاقة بحديثنا عن سبب النزول وزمنه وعلاقته بالنصّ قال: = هي مخصوصة في فريقين تقاتلا، والنسخ إنّما هو لبيان الأزمان التي انتهى إليها الفرض الأوّل، وابتدأ منها الفرض الثاني = [6] .
(1) ابن الجوزي، نواسخ القرآن، ص 74.
(2) سورة البقرة، الآية 178.
(3) مكيّ بن أبي طالب، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه، ط 1دار المنارة، جدة، 1986، ص 134.
(4) نفسه، ص 135.
(5) نفسه، ص 135.
(6) نفسه، ص 134.