فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 509

والاحتمال الثاني في وجه ارتباط جزأي الآية يتباعد عن هذا الفهم التمثيلي لصور إتيان البيوت من ظهورها، ويكتفي بالتركيز على علاقة النصّ بالواقع، فيذهب إلى أن إتيان البيوت من ظهورها نوع من الاستطراد بعد ذكر الحجّ، ردّا على سؤالهم عن الهلال إنّه من باب الاستطراد لما ذكر أنّها مواقيت للحجّ، وقد مرّ بنا سبب نزول هذه الآية فقيل لهم: ليس البرّ بتحرّجكم دخول الباب، ولكن البرّ من اتّقى ما حرّم الله وكان من حقّهم السؤال عن الأهلّة. وهذا الاحتمال ينقلنا إلى مناقشة العلاقة بين (المناسبة) و (السبب) ، وإذا كان السبب هو الحادثة أو الواقعة التي ينزل النصّ استجابة لها رفضا أو تأييدا أو تعديلا فهي الأساس الذي يستند إليه الفقيه في استخراج الحكم الشرعي الذي تتضمّنه الآية. وإذا كانت الآيات المختلفة تتجاور بناء على علاقات (تناسب) غير أسباب نزولها، فقد يؤدّي بعض ذلك إلى نوع من الغموض كما هو الحال في آية سؤال الأهلّة.

وقد أثار علماء القرآن هذه المسألة على الوجه التالي: = وقد تنزل الآيات على الأسباب خاصّة، وتوضع كلّ واحدة منها مع ما يناسبها من الآي رعاية لنظم القرآن وحسن السياق، فذلك الذي وضعت معه الآية نازلة على سبب خاصّ للمناسبة إذا كان مسوقا لما نزل في معنى يدخل تحت ذلك اللفظ العام، أو كان من جملة الأفراد وضعا تحت اللفظ العام، فدلالة اللفظ عليه: هل هي كالسبب فلا يخرج، ويكون مرادا من الآيات قطعا؟ أو لا ينتهي في القوّة إلى ذلك؟ لأنّه قد يراد غيره وتكون المناسبة مشبّهة به = [1] .

وجواب السؤال يكون في أنّ الأحداث والمناسبات التي تتعلّق الآيات بها لا تمنع من وضع الآية في موقع آخر يناسبها لجعل نظام السرد القرآني نظاما متلاحما متماسكا متجانسا، وهذا بالطبع يجعل من مهمة الشارح أو المفسّر مهمّة صعبة معقّدة إذ عليه أن ينظر في هذا النظام ويعيد لكلّ آية موقعها من المناسبات والأحداث والمقامات للإلمام بالأحوال والقرائن. ثمّ إنّ النّصوص لا تصوغ الوقائع صياغة حرفيّة، ومع ذلك فإنّ العلماء

(1) الزركشي، البرهان، 1/ 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت