(فاعلت) [1] . إنّ هذه المراعاة لمقام الله عزّ وجل في قوله: = إنّما تكون المواعدة بين المخلوقين =، وتكييف الخطاب بحسب مقامات المخاطبين أو المخاطبين يعتبر من أبرز ملامح اللسانيّات الاجتماعيّة التي تقوم على مراعاة العرف الاجتماعي، والعرف العام للّغة.
ومن أمثلته كذلك قوله تعالى: {= وَمَا اللََّهُ بِغََافِلٍ عَمََّا تَعْمَلُونَ =} [2] . وقوله {= إِلى ََ أَشَدِّ الْعَذََابِ وَمَا اللََّهُ بِغََافِلٍ عَمََّا تَعْمَلُونَ =} [3] . وقوله {= وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللََّهُ بِغََافِلٍ عَمََّا تَعْمَلُونَ =} [4] . = يقرءان بالياء والتاء، فالتاء في الأول أكثر لقوله تعالى {= ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ =} .
والياء والتاء في الثاني معتدلتان، فالحجّة لمن قرأ بالتاء أنّه أراد = وما الله بغافل عما تعملون أنتم وهم = والاختيار في التاء لعلّتين: إحداهما أنّ ردّ اللفظ على اللفظ أحسن، والثانية أنّه لمّا ثبت أنّ الله ليس بغافل عما يعمل كل أحد اعتدلت التاء والياء فيهما، والحجّة لمن قرأ بالياء أنّ العرب ترجع من المخاطبة إلى الغيبة كقوله تعالى: {= حَتََّى إِذََا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ =} ولم يقل بكم، والياء والتاء في الثالث قريبتان، والاختيار الياء لقوله = من ربّهم = والياء والتاء في الرابع متساويتان لأنّه لم يتقدّم في قوله {= وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ =} ما تكون إحداهما أولى بالردّ عليه، إلّا أن يجعل قوله = من ربّك = إفرادا للنبيّ عليه السلام بالخطاب، والمعنى له ولأمّته، فيكون الاختيار على هذا الوجه التاء، كما قال الله تعالى:
{= يََا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذََا طَلَّقْتُمُ النِّسََاءَ =} [5] . فها هنا تحرّ لمقام النبي صلّى الله عليه وسلّم (إفرادا للنّبي بالخطاب) ونلحظ فيه كذلك توخيهم لعمليّة الاتّساق الداخلي في النصّ، وكذلك استحضارهم لسنن العرب في كلامها من حيث (إنّ العرب ترجع من المخاطبة إلى الغيبة) .
(1) ابن خالويه، الحجة في القراءات السبع، ص 77.
(2) سورة البقرة، الآية (74) .
(3) سورة البقرة، الآية (85) .
(4) سورة البقرة، الآية (149) .
(5) ابن خالويه، الحجّة في القراءات السبع، ص (83) .