قلت للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة، فكرّمت أباكم آدم بما آتيته من علمي وفضلي وكرامتي، وإذ أسجدت له ملائكتي فسجدوا له ثم =.
ويمكن أن نقدّم مثالا آخر لعطف القصّة على القصّة لدى ابن عاشور من أجل إبراز تتبّعه لهذا النوع من العطف واهتمامه به في تفسيره للآية (34) التي سبق ذكرها فهو يذهب إلى أنّ هذه الآية معطوفة على آية تفصلها عنها ثلاث آيات، وهي قوله تعالى: {= وَإِذْ قََالَ رَبُّكَ لِلْمَلََائِكَةِ إِنِّي جََاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً =} قال: = وإعادة (إذ) بعد حرف العطف المغني عن إعادة ظرفه تنبيه على أنّ الجملة مقصودة بذاتها لأنّها متميّزة بهذه القصّة العجيبة فجاءت على أسلوب يؤذن بالاستقلال والاهتمام، ولأجل هذه المراعاة لم يؤت بهذه القصّة معطوفة بفاء التفريع = [1] . فالذي سوّغ العطف رغم كون القصتين مستقلّتين هو أنّ الطرفين اللذين تمحور حولهما الخطاب متماثلان = الملائكة وآدم. ففي القصّة الأولى إظهار لعلوّ درجته عند الله بعد احتجاج الملائكة على استخلافه في الأرض، وفي الثانية تزكية لسمّو درجته عنده تعالى ممّا استوجب سجود الملائكة له بأمر منه تعالى لكنّ ابليس رفض السجود فالقصّتان مشتركتان معا في:
وحدة المخاطب
الاحتجاج / التسليم بأمر الله.
الاحتجاج / التسليم / العصيان
ورغم أنّ ابن عاشور لم يفصّل قوله على هذا النحو، إلّا أنّ العطف هنا (عطف قصة على قصة) يضمر هذا الذي أشرنا إليه.
ومن أمثلته كذلك اهتمام الزمخشري بالعطف الداخلي بين الجمل ومعاني حروف العطف في سياقاتها المختلفة، فحين يفسّر الزمخشري الآيات (53، 54) = وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنّكم ظلمتم أنفسكم باتّخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنّه هو التوّاب الرحيم = يتساءل
(1) ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1/ 336.