المفسّرين محيلة إحالة مزدوجة مرّة إلى عنصر واحد في خطاب سابق، ومرّة أخرى إلى خطاب بأكمله.
ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الاحتمالات هي نفسها التي يذكرها الرازي في تفسيره وسننقل فقط بعض العبارات البينيّة أو التعقيبيّة التي كان يستخدمها والتي تدلّ على أنّه شديد الاهتمام بعلاقة الضمائر المباشرة وتأويل الإحالات باتّساق الخطاب وتناسب النصّ مع سياقيه: اللّغوي والمقامي. وانظر إلى عبارته = وجاز الإضمار وإن لم يسبقه ذكر، لأنّ الكلام يدلّ عليه ولا يلتبس على السامع، ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم وإشعار بأنّه لشهرته معلوم بغير إعلام = [1] . وعبارة الرازي هذه فيها اهتمام بالسياق اللغوي = لأنّ الكلام يدلّ عليه = أي دلالة السياق العام للجملة، واهتمام بالسامع وهو من عناصر سياق الحال أو المقام، وفيها اهتمام بالتأثير أو هدف الخطاب وهو من عناصر المقام أيضا.
وليس هذا هو الموضع الوحيد الذي يصل فيه الرازي بين إحالة الضمائر وهدف الخطاب، ففي تفسيره للآية {= خََالِدِينَ فِيهََا =} [2] أحال الضمير في = فيها = إلى اللّعنة، وقيل في النار = إلّا أنّها أضمرت تفخيما لشأنها، وتهويلا كما في قوله تعالى {= إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ =}
ويرجّح الرازي الاحتمال الأوّل لوجوه منها أنّ الضمير إذا وجد له مذكور متقدّم فردّه إليه كان أولى من ردّه إلى ما لم يذكر، والثاني أنّ حمل هذا الضمير على اللّعنة أكثر فائدة من حمله على النار، لأنّ اللعن هو الإبعاد من الثواب بفعل العقاب في الآخرة، وإيجاده في الدنيا فكان اللعن يدخل فيه النار وزيادة، فكان حمل اللفظ عليه أولى، والثالث أنّ قوله {= خََالِدِينَ فِيهََا =} إخبار عن الحال، وفي حمل الضمير على اللعن يكون ذلك حاصلا في الحال، وفي حمله على النار لا يكون حاصلا في الحال بل لا بدّ من التأويل، فكان ذلك أولى = [3] . وفي هذا التناول اهتمّ الرازي بالمكانة التي احتلّها المحال إليه وهو (النار) هنا حين
(1) تفسير الرازي، 4/ 128.
(2) سورة البقرة (164) .
(3) تفسير الرازي، 4/ 166.