{إِلََّا عَلَى الْخََاشِعِينَ =} قال: = واختلفوا في المخاطبين بقوله سبحانه وتعالى: {= وَاسْتَعِينُوا =} فقال قوم: = هم المؤمنون بالرسول قال: لأنّ من ينكر الصلاة أصلا، والصبر على دين محمد صلّى الله عليه وسلّم لا يكاد يقال له استعن بالصبر والصلاة فلا جرم وجب صرفه إلى من صدّق بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، ولا يمتنع أن يكون الخطاب لبني إسرائيل ثم يقع بعد ذلك خطابا للمؤمنين بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، والأقرب أنّ المخاطبين هم بنو إسرائيل لأنّ صرف الخطاب إلى غيرهم يوجب تفكيك النظم = [1] ، وجليّ أن الرازي في إرجاعه الضمير إلى بني إسرائيل اعتمد على موقع الآية من الآيات السابقة، باعتبار أنّ الخطاب فيها موجّه إلى بني إسرائيل دون غيرهم أما الذي أرجعه إلى المؤمنين فقد اعتمد على معرفته للعالم، ذلك أنّ الأحقّ بهذا الخطاب هم المؤمنون بدين محمد، أمّا اليهود فلا يعقل أن يخاطبوا بالصبر والصلاة وهم كافرون، والرازي لا ينكر الصلاة عند اليهود، ولكنّ صلاتهم مختلفة كيفا عن صلاة المسلمين، إلّا أن الأهمّ في نظره الاحتفاظ بقوّة نظم الآية بدل تفكّكه (تماسك الخطاب) .
ومن أمثلة تواؤم الضمائر مع سيرورة الخطاب ما طرحه الزمخشري في توقّعه عند دلالة الضمير على المفرد في الآية {= وَمََا أَنْتَ بِتََابِعٍ قِبْلَتَهُمْ =} [2] . = فإن قلت: كيف قال: وما أنت بتابع قبلتهم ولهم قبلتان: لليهود قبلة وللنصارى قبلة؟ قلت = كلتا القبلتين باطلة مخالفة لقبلة الحقّ، فكانتا بحكم الاتّحاد في البطلان قبلة واحدة = [3] . وفضلا عن اهتمامه بالاتّساق الداخلي في النص، فقد اتّكأ على حقيقة موضوعيّة خارجيّة لتفسير هذا الاتّساق وهي بطلان الدعوى التي طرحوها. ومن أمثلة الحرص على توضيح ما يظنّ أنّه يعارض هذا التواؤم ما أورده الماوردي في تفسيره حول الآية {= فَتََابَ عَلَيْكُمْ =} [4] . قال: = فإن قيل:
(1) تفسير الرازي، 3/ 51.
(2) سورة البقرة، الآية (144) .
(3) الزمخشري، الكشاف، 1/ 204.
(4) سورة البقرة، الآية (54) .